تقرّ الغالبية في تونس بوجود هوة شاسعة بين ما ينص عليه الدستور من ضرورة حماية الدولة للحريات الفردية، وبين الترسانة القانونية وعقلية المجتمع. يمكن استشفاف هذه الهوة في مواضيع كثيرة، على رأسها ملف الحريات الجنسية والمثلية التي يجرمها القانون والمجتمع.

الأقليات في تونس سواء كانت من الملحدين أو المثليين أو غيرهم، يقفون خلف دستور لم يستطع حمايتهم من القوانين الجزائية والثقافة السائدة وحتى مسؤولي الدولة. أمر دفع أحد الناشطين المعروفين بدفاعه عن حقوق المثليين إلى محاولة الانتحار قبل أسبوع، على خلفية المضايقات والتهديدات بالقتل التي يتلقاها يومياً. نتكلم هنا عن نائب رئيس جمعية «شمس» أحمد بن عمر (20 عاماً) الذي ظهر منذ فترة على الشاشات التونسية للدفاع عن نفسه وحقوق المثليين بصفة عامة. لكن ردة فعل الكثير من التونسيين كانت الرفض ومضايقته في أغلب الأماكن التي يرتادها بعد معرفة هويته، وتلقيه تهديدات بالقتل يومياً، ما دفعه قبل أسبوع إلى محاولة وضع حد لحياته عبر تناول كمية كبيرة من الأدوية، فدخل في غيبوبة قبل أن يستفيق منها أخيراً ويتماثل حالياً للشفاء.
أحمد عوزاري، أحد ناشطي «شمس» التي تأسست عام 2015 لتكون أول جمعية تدافع عن حقوق المثليين في تونس، يقول لـ«الأخبار» إنّ المنتسبين الى الجمعية أو المثليين يعانون من المضايقات اليومية حتى من قبل الشرطة والأجهزة الرسمية. ولكن الخطير هو تلقي تهديدات بالقتل، ما دفع نائب رئيس الجمعية إلى محاولة الانتحار.
محاولة الانتحار هذه ليست إلا تعبيراً عما يعانيه المثليون في تونس وما يواجهونه على جبهات عدة. منذ حصول جمعية «شمس» على ترخيص قانوني عام 2015، وانتشار خبر وجود جمعية تُعنى بحقوق المثليين، اشتعل جدل كبير انخرط فيه مفتي الجمهورية نفسه! إذ طالب بحل هذه الجمعية، ما دفع الحكومة التونسية إلى التراجع وتجميد نشاط الجمعية، فيما رفع المكلف بنزاعات الدولة آنذاك دعوى قضائية لحلّها بالطرق القانونية.

ثقافة حقوق الإنسان غير متجذرة في المجتمع الذي لا يعترف بالفرد بل بالمجموعة

في نهاية 2015، بدأت تحركات كثيفة للمجتمع المدني المحلي والدولي في تونس للمطالبة بالكف عن ملاحقة المثليين وإلغاء الفصل 230 من القانون الجزائي الذي يجرم المثلية، خصوصاً التوقف عن إجراء السلطات الرسمية ما يُعرف بـ «الفحص الشرجي» ضمن إجراءات التحقيق التي تقوم بها الشرطة للتأكد من السلوك الجنسي للأفراد. حالات الفحص الشرجي والحكم بالسجن كانت عديدة حتى في حق الأجانب المقيمين في تونس.
في سبتمبر (أيلول) من السنة نفسها، اعتقلت الشرطة شاباً في محافظة سوسة الساحلية التي تبعد 120 كلم عن تونس العاصمة. يومها، قضت المحكمة بسجنه لمدة سنة بـ «تهمة اللواط» واعتمدت جزئياً في حكمها على تقرير طبي صدر بعد فحص شرجي. كما جرت محاكمة مجموعة من الشبان في محافظة القيروان بسبب علاقات جنسية مثلية والحكم عليهم بالسجن وعدم دخول المحافظة لمدة خمس سنوات، ما أثار حملة سخرية وسخط في الوقت عينه. وفي الخلاصة، يبدو أنّ دستور يناير 2014 الذي يضمن الحقوق والحريات، لا يستطيع حماية الأقليات والمثليين. غالباً ما تُناقضه بعض فصول القانون الجزائي التونسي مثلما هي الحال بالنسبة الى الفصل 230 الذي يجرّم المثلية الجنسية، وتستند إليه السلطات دوماً في أحكامها. علماً أنّ الفصل ينصّ على أنّ «اللواط أو المساحقة إذا لم يكن داخلاً في أي صورة من الصور المقرّرة في الفصول المتقدّمة، يعاقب مرتكبه بالسجن مدة ثلاثة أعوام».
أضف إلى الشق القانوني، عاملاً آخر يقف عائقاً أمام الحريات الفردية ألا هو المجتمع التونسي لا يزال غير مؤهل لقبول الحريات الجنسية بصفة عامة والمثلية بصفة خاصة. ثقافة حقوق الإنسان غير متجذرة في المجتمع الذي لا يعترف بالفرد بل بالمجموعة، وينبذ كل من لا يحمل قيمها أو يشذ عنها باعتبار أنّ ما يحكمه أساساً هو الدين. هذا ما يراه الباحث في علم الاجتماع فؤاد غربالي في حديث مع «الأخبار».
وجهة نظر المختص في علم الاجتماع صبت باتجاه تحميل السياسيين والمفكرين كل المسؤولية. بنظره، هم يفتقدون إلى الجرأة ويخشون مواجهة المجتمع والحديث عن حق المثليين في الوجود، خصوصاً السياسيين الذين لا يريدون المخاطرة بخسارة ناخبيهم. ولكن فؤاد غربال استشرف تحولات عميقة في عقلية المجتمع التونسي خلال السنوات المقبلة.
ما قاله غربالي عن غياب الجرأة لدى السياسيين لا ينطبق على محمد صالح بن عيسى، الوزير الذي تولى مقاليد وزارة العدل في حكومة الحبيب الصيد (من شباط/ فبراير 2015 حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2015) قبل أن تتم إقالته! بعد تعدد حالات الفحص الشرجي والسجن بـ«تهمة» المثلية الجنسية، أدلى بن عيسى بتصريح مفاده أنّ الأهم ليس الحديث عن حالات السجن والتنديد بها، بل إلغاء الفصل 230 من القانون حتى يتلاءم مع الدستور الجديد الذي ينصّ على احترام الحريات الفردية والخاصة. لكن خلال فترة احتدام القضية في تونس، أدلى رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بدلوه في مسألة المثلية الجنسية. هكذا، رد على وزير العدل برسالة شديدة اللهجة، قائلاً إنّ محاولته إلغاء قانون يجرّم المثلية الجنسية في تونس لن تمر، و«لن تقع إباحة العلاقة بين المثليين، ودعوة الوزير لا تلزم الدولة بل شخص الوزير فقط، ولن يتمّ إلغاء هذا القانون في تونس». في النتيجة، يبقى المثليون في تونس شأنهم شأن كل المخالفين للسائد في مواجهة الدولة والمجتمع والقوانين الى موعد غير معلوم.




ثقافة الكره
خلال استضافة أحمد بن عمر في برنامج «كلام الناس» (قناة «الحوار» التونسية) في نهاية شهر نيسان/ابريل، كي يرد على تصريح أدلى به الفنان التونسي أحمد الأندلسي بأنّ «المثلية الجنسية مرض»، حاول بن عمر الدفاع عن حقوق المثليين فيما واجه جملة من الكليشيهات والتنديد خلال ظهوره الإعلامي الأول. إطلالة جرّت عليه وابلاً من التهديدات، والرسائل المعادية للمثليين سواء عبر مواقع التواصل أو عبر الهاتف أو خلال وجوده في الشارع حتى اعتكف الشاب في بيته خوفاً من الآتي، إلى أن وصلت الأمور الى حد محاولة وضع حد لحياته.




ماذا تفعلين بشبابك؟
في بيان أصدرته في 11 تموز (يوليو) 2016 بعنوان «تونس: ما تفعلين بشبابك؟»، شكرت جمعية «شمس» الحملات التضامنية معها ومع أحمد بن عمر عبر مواقع التواصل، مشيرةً إلى انتشار هاشتاغ #weloveyouahmed. إلا أنّ الجمعية أعربت عن إحساسها بالحزن والمرارة والغضب إزاء الخطاب العنفي الذي انتشر خلال غيبوبة بن عمر، إضافة إلى «ازدواجية الخطاب عند السلطات الرسمية التونسية التي ترفع شعار الديمقراطية أمام العالم الغربي، في حين أنّها تلاحق وتضطهد وتتعدى على حقوق الإنسان الأساسية والبدائية في الداخل».