جاء قرار وزارة الأوقاف المصرية بتعميم خطبة الجمعة ضمن تسلسل طبيعي في الإجراءات التي تتخذها الوزارة منذ خلع الرئيس الأسبق محمد مرسي من سدة السلطة، ورغبة النظام السياسي الجديد في إحكام سيطرته على المساجد عبر مثلث الأزهر ــ الأوقاف ــ السلفيون والصوفيون، رغم الاختلافات بين أضلاع هذا المثلث الديني.

لم يكن قرار التعميم الأول ولن يكون الأخير في إجراءات «الأوقاف»، وخاصة بعد دخول الوزارة إلى المساجد التي تسيطر عليها «جماعة الإخوان المسلمون»، بل استطاعت تقريبا سحبها بالكامل من سيطرة الجماعة، وهو الإجراء الذي تلاه إصدارها قرارا بمنع أي شخص من الصعود إلى المنابر إلا بعد حصوله على تصريح رسمي. هذا الأمر أشار إليه رئيس القطاع الديني في الوزارة، جابر طايع، حينما قال إن ثمة إجراءات كثيرة «لإعادة ضبط الأوضاع داخل المساجد مرة أخرى».
برغم أن خصوم السلطة يقولون إن تعميم خطبة الجمعة بصورة موحدة في المساجد هدفه «ضمان سيطرة النظام على توجهات الأئمة الفكرية والسياسية والقضاء علي أي خروج عن النص أو نقد النظام من جانبهم لها وجرّ الجمهور وراء ذلك»، فإن وزير الأوقاف، محمد مختار جمعة، قال في مؤتمر صحافي إن التعميم لا علاقة له بالحياة السياسية وإنما أرادت الوزارة إعادة ترتيب المساجد وضبطها.

القرار شمل مساجد «الإخوان» و«الدعوة السلفية» على سواء

واللافت أن الدولة لم تستهدف بقرارها مساجد «الإخوان» فحسب، بل شمل ذلك مساجد الدعوة السلفية في مصر، إلى حد أنها منعت نائب رئيس «الدعوة السلفية»، ياسر برهامي، من الصعود إلى المنبر، كما قدمت «الأوقاف» بلاغا إلى النيابة العامة الأسبوع الماضي بحق القيادي السلفي عبد المنعم الشحات بعد صعوده إلى المنبر من دون الحصول على موافقة من «الأوقاف».
وفيما تمثل الوزارة خطا منافسا لكل من الأزهر والسلفيين وتريد إثبات قدرتها أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، فإن أنصار «الإخوان» يذكرون أن تصعيد «الأوقاف» اشتد أكثر منذ شهر رمضان الماضي بعد وضع «قيود كبيرة على اعتكاف المواطنين». الأمر نفسه ذهب إليه سلامة عبد القوي، وهو المتحدث الأسبق باسم «الأوقاف» والقيادي في «الإخوان»، بالقول إن «السلطة الحالية تستهدف تجفيف منابع الدين عبر إحكام السيطرة على للمساجد ومحاربة الأيديولوجية الإسلامية».
كذلك قال القيادي في «الجماعة الإسلامية في مصر»، محمد الصغير، إن «تعميم الخطب هدفه سيطرة الأمن بالكامل على الحياة الدينية».
في المقابل، لم يصدر عن «الأزهر» أي تعقيب على الموضوع أو إظهار للمشاركة فيه أو رفضه، لكن وكيل شيخ الأزهر، عباس شومان، نفى «وجود أي خلافات بين الأزهر والأوقاف حول إدارة الملف الديني في البلاد»، كما رحب بخطوة الأوقاف، مشيرا إلى أنها «خطوة جيدة نحو إعادة الانضباط في المساجد».
بالنسبة إلى رؤية الوزارة، فإن مسؤولين يقولون إن الدافع وراء ذلك «تزايد فتاوى التكفير وميول قطاعات من الشباب إلى تبني العنف في مواجهة الدولة والانضمام إلى تنظيمات جهادية".
وذهب جابر طايع إلى القول إن «الأوقاف تضع تحت نصب عينيها البدء في تدشين مؤتمر عالمي لمحاربة الإرهاب»، وهي خطوة استبقها الوزير جمعة بتخصيص «مكتبة دينية لكل خطيب وإمام في مساجد الأوقاف ومكافأة تصل إلى مئة دولار لكل إمام يلتزم التعليمات الوزارية».
في السياق، يقول أحد خطباء الوزارة، ويدعى محمد علي سالم، إنها «خطوات جيدة لتحسين أوضاع الأئمة»، مضيفا: «دوما نادينا بتوفير عوائد علمية ومالية مناسبة للأئمة الذين كان بعضهم كانوا يمتهنون مهنا أخرى لتلبية حاجيات عائلاتهم»، لكن الإخوانيين رأوا أن «تخصيص مكافأة مالية هو رشوة مقننة لهم».
ويعقّب على ذلك الباحث في الملف الديني اسامة الهتيمي، الذي رحب بخطوات «الأوقاف»، مشيرا إلى أنه «لا يجوز تفسير خطوات الوزير جمعة بالمنحي السياسي المرتبط بالسلطة الحالية والمزاودات عليها».