في ذكرى الحرب الثالثة، كنت خارج البلاد، أقضي الصيف قسراً بعيداً عن أهلي، ووطني. لم تتح لي الفرصة للعودة إلى غزة بسبب إغلاق معبر رفح. كان الوقت آنذاك بداية شهر رمضان، وكانت قد قُرعَتْ طبول الحرب، وذات سحور، قبل الأذان بدقائق معدودة، كنت كعادتي أتناول طعام السحور وهاتفي بيدي، أتصفح تويتر، أتابع الأخبار أولاً بأول.

وجدت تغريدةً مفادها أنه قد قصف بيتٌ، بالعنوان التالي، وكان العنوان مطابقاً لعنوان بيتنا.. تركت كل ما في يدي مسرعاً، وذهبت إلى الهاتف العمومي في السكن الجامعي، وكنت أمسك سماعة الهاتف وأحاول الاتصال بأهلي مراراً وتكراراً، بدءاً بهاتف والدي، ومروراً بهواتف أخوتي جميعاً، انتهاءً بأمي. ولم يكن ثمة مجيب، عشر دقائق كاملة من الانتظار، والذي خِلتهُ أطول انتظار في حياتي.
في لحظة، وكانت قد دارت في مخيلتي كل الخيالات حسنها وسيئها، مرّ شريط ذكريات طويل، بدءاً من اللحظة التي وعيتُ فيها على الدنيا، إلى الوقت الذي ودعتُ فيه أمي، وأبي للمرة الأخيرة. ثم استفقت من غفلتي على صوت إشعار من تطبيق تويتر، فتحته على عجل، وكانت تغريدة من أختي تخبرني فيها أنهم جميعاً والحمدلله بخير. مرّت الدقائق، وكل من مرّ بي في ممر السكن، يسألني باللغة التي يجيدها: أأنت بخير؟ ولم أكن أملك من الجلد والقوة ما يجعلني أتحدث بكلمة واحدة حتى. عدتُ بعد ذلك إلى غرفتي، وجلستُ على سريري متسمراً لأكثر من خمس ساعات، ولم تغادر القشعريرة أطراف جسدي، إلى أن أتى الأصدقاء مهدئين من روعي.
في حقيقة الأمر لم يكن القصف يستهدف منزلنا، لقد كان لمنزل يقبع قبالة بيتنا من الطرف الشرقي، وكان الوصف مطابقاً، أذكر يومها أنه قد استشهد طبيب صيدلاني في هذه الشقة. كان اسمه أنس ابو الكاس، وجرح في ذات القصف شخصان آخران، لقد نجا الذين نعرفهم هذه المرّة. ولكن المرة القادمة من يدري؟
بعد مرور شهر على الحرب تقريباً، وفي مستهل شهر آب/أغسطس، وكان أوّل يوم في عيد الفطر، كنت كعادتي في هذه الحرب، أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، وأتابع الأخبار وأنا آكل بعض المسليات والبزر، مرّت تغريدة مكتوبٌ فيها، استشهاد الشهيد فلان فلان الفلاني. وكنت صراحة أعرف الاسم كما لو كان قد نقش في قلبي، ولكنني حينها شعرت بالغرابة، والجهل. ذهبت إلى حساب الشهيد الشخصي على الفايسبوك، وتأكدت من اسمه الثلاثي، وإذ تبين أن المعلومات حقيقية صادقة للغاية.
مرّ شريط ذكريات سريع جداً، ولم أصدق ما حدث في حقيقة الأمر، حتى أنني أكملتُ المسليات التي كانت في يدي، وظللت متسمراً أمام الشاشة، أرى الناس تعزّي فيه. أنا لا أصدق. كأني حينها قد تجمدت أحاسيسي من صدمة لم أتعاف منها حتى اليوم. وأنا في حقيقة الأمر لا أصدق أنه قد ذهب، وأن يوماً ما إذا ما عدتُ إلى غزة، فلن أجده في استقبالي، ولن أعيد له كتبه التي استعرتها منه.
"قال الجميع:
في الحرب
لا يبكي أحد على أحد
لأن الدماء تغسل الدموع"
هذه المرة، قصفت إسرائيل مبنى من أربعة طوابق. كان فيه ثلاثون شخصاً، نجوا كلهم، إلا هو، اخترقه الصاروخ، ليتناثر في كل مكان، وتعرج روحه البيضاء إلى السماء، تعلو إلى فضاء الكون البهيج، كسرب من الفراشات.. هذه المرّة لم ينجُ الذي نعرفه، لم ينجُ عاطف قنديل.
أثناء الحرب، كنت كلّ حين، أسأل أصدقائي ما جدوى الحرب؟ لماذا يموت من نحبهم؟ في سبيل ماذا؟ وكانوا يجيبون: يموتون لأجلنا، يموتون لنحيا نحن. وكنت لا أملك رداً لهذه الإجابة، كنت أعتقد أن إجابة فضفاضة مثل هذه هي إجابة كاذبة، فمن قال إنه كي نحيا نحنُ، يجب أن يموتَ غيرنا؟ إنها فلسفة الحرب التي لا نفهمها.
ذات مرّة سألت صديقي السؤال ذاته، فأجابني بأنهم يقاتلون ويُقتلون من أجل أن يجلبوا لنا ميناءً ومطاراً وحرّية. دماء صديقي ذهبت لتعبّد طريق الحرية، هكذا كان يخبرني.
يمرّ اليوم قرابة العامين على نهاية الحرب، ولم نحظَ بمطارٍ ولا ميناء، ولا حريّة حتى. ما زال من بداخل غزة عالقاً، ومن خارجها عالقاً، لا أحد يعود. حتى الدماء التي ذهبت، لا تعود. على أيّ حال هذا ليس رثاءً، الموتى لا رثاء لهم، الذين لا زالوا أحياءً عالقينَ هنا هم من يستحقون الرثاء.