كانت هناك أشياءٌ مقدّسة لا يمكن المساس بها في غرفة ستي "سودة". هذا لا يعني مطلقاً أن غرفتها مستباحةٌ في العادة، لكن بعض الأشياء قد تكلّفك صفعةً قاسية أو تنبيهاً شديد اللهجة. أشياءٌ أخرى قد تقود إلى "أتلة" حقيقية بكل ما تحويها الكلمة من معنى. واحدٌ من تلك الأشياء هو ذلك المفتاح الخشبي الكبير المعلّق على مدى يدي جدتي إلى يسارها تماماً. كنا كأطفال العائلة نمنّي أنفسنا دائماً بإمساك هذا المفتاح المزخرف بنقوش تشير إلى ملكيةٍ ما في ضيعة جدتي؛ طبعاً كان محرّماً علينا مسه، كما محرمٌ علينا حتى تمسيحه وتنظيفه. كانت جدتي والتي عادةً لا تتحرك كثيراً ، تقوم مرةً في كل أسبوع باتجاهه، مع أنها كانت تستطيع أن تمد يدها فتطاله. تقف من مكانها، تمسكه بيدها، ثم تحمله، تطلب منا أن نحضر لها زيتاً للتنظيف (كانت تسميه زيت سلاح) ودون أن نعرف أنه كان يستعمل لتنظيف السلاح، كنا نحضره على عجل.

كانت تمسّد المفتاح بيديها لأكثر من ربع ساعة، تمسحه ببطءٍ شديد، وكانت تلك العملية غالباً ما تنتهي بتعكّر مزاجها طوال ذلك اليوم. كنا نعرف جميعنا في المنزل بأنه حينما تمسك سودة بالمفتاح سيكون يوماً عصيباً على الجميع. أحد أولاد عمتي لم يعجبه الأمر البتة، فحاول أن يعترض مرةً على غضبها الشديد عليه لأنه لمس المفتاح، فصرخ بوجهها وكانت لربما إحدى المرات الأولى التي يحصل فيها ذلك في تاريخ منزلنا. يومها صفعته جدتي وبشكلٍ مفاجئ، لا لأنّه تطاول عليها كما علمنا من أمي بعد ذلك، بل لأنّه أهان منزل بيت جدي. وقتها لم نفهم نهائياً ماذا عنت بذلك، كل ما عرفناه بأنَّ للمفتاح علاقة بالمنزل، وبأنّ سودة تعتبر أن هذا المفتاح هو كل المنزل. بدت الفكرة جنونيةً بالنسبة لنا، لكن مع هذا ولأن كل ما تفعله جدتي كان غريباً علينا، سكتنا ولم نتحدث في الموضوع، وحتى ابن عمتّي نفسه، لم يجرؤ على إعادة النظر في تلك الفكرة.
بعد سنواتٍ طويلة، عدنا وسمعنا القصّة الحقيقية خلف المفتاح. لم يكن المفتاح لمنزل جدي أبداً، كان مفتاح الحظيرة. لكن الحظيرة في تلك الأزمنة وبالنسبة للفلاح الفلسطيني هي بيته وثروته الحقيقية، وكل ما يملك. لذلك كان من يملك مفتاح الحظيرة في المنزل يمتلك "السلطة" والقوّة. كانت سودة تلبس المفتاح على خصرها، تعلّقه ضمن إزارها الذي تلبسه. لم يكن أحدٌ يستطيع أن يأخذ "دابةً" واحدةً من الحظيرة دون المرور على جدتي لتسأله كيف ولماذا وماذا حصل. كانت حيوانات المنزل هنا جزءاً لا يتجزأ من حياة الناس، حتى الحيوانات الأليفة لم تكن تربّى لأجل الاستمتاع بها، بل لفوائدها، فالقطط لقتل الفئران والأفاعي والحيوانات القارضة الصغيرة، والكلاب للحراسة والحماية؛ كل شيءٍ كان معدّاً سلفاً للعمل ضمن إطاره الطبيعي. كانت الحيوانات اللبونة وتلك المخصصة للحمل والتنقل (كالبغال والحمير والأحصنة) تحظى بالاهتمام الأكبر نظراً لأنها ثروة العائلة وقيمتها بين العائلات الأخرى. كانت سودة تحرس ذلك كلّه، كان الجميع يتحدثون عن كيفية إدارتها لذلك "المال" بكل دقةٍ وحذاقة. وذاتٍ يومٍ مشؤوم، جاء عسكرٌ غريب، قرر قتل الجميع، لم تهتم جدتي بأي شيءٍ سوى بالمفتاح على مئزرها، والحيوانات الموجودة في الاسطبل (الحظيرة)؛ وبكل هدوء الدنيا، دخلت ووضعت طعاماً يكفي للحيوانات، جميع الحيوانات الموجودة هناك يكفيها أسبوعاً كاملاً. نظرت إليها –حسبما روت آنجيل صديقتها لاحقاً- وودعتها الوداع الأخير وهي تظن بأنها ستراها قريباً حالما تعود، لأن العودة كما أشار كثيرون عليها لن تطول أكثر من خمسة أيام.
لم تعلم جدتي وقتها بأن الصهاينة دخلوا الى كويكات وحرقوا كل شيء؛ كانوا يريدون محو أي أثرٍ لوجود بشري في تلك الأماكن، قتلوا كل الحيوانات في تلك الحظيرة. لم تعلم بذلك لأن أحداً لم يجرؤ على إخبارها بما حدث، فقضت قرابة العام تسأل عن الموضوع، وحينما أسرّ لها جدي بالأمر، صارت تصرخ وتولول، ومنذ ذلك اليوم، لم تبتسم جدتي كثيراً، ولم تعد تحب الناس، كانت تقضي بقية الوقت تنتظر، وتنتظر وتمسك مفتاحها بيدها تنظفه كلما حان الوقت وكلما شعرت بالحنين لقريتها.