عند غروب شمس أمس، كنتُ أحمص الخبز الذي احترق وتعالى دخانُه حتى دوت صفارة الحريق في البيت وفي بيت الجيران في الطابق الأرضي. لم أستطِع إيقاف الصفارة، وظلت تدوي لأكثر من نصف ساعة. خرجت جارتُنا من بيتها هلعةً تسأل عما يجري وهي تحمل حقيبةً صغيرة في يدها. بعد أن فهمت أن الأمر لا يتعدى كونه قليلاً من الدخان. اطمأنت، ثم أخذت بالحديث عن فزعها حين دوت صفارة الحريق في المنزل، وعن الأمور التي دارت في خاطرها والأشياء المهمة التي كان يجب عليها أن تأخذَها عند مغادرة البيت الملتهب. اعتذرتُ منها وضحكتُ في داخلي، قليلٌ من الدخان تداعت له صفارات الإنذار ورجلان أتيا لإخماد الصوت والتأكد من أن كل شيء على ما يرام، وامرأةٌ أصابتها في لحظةٍ واحدة كلُّ أفكارُ النجاة، واحتارت في البحث عما تنجو به حتى انتهى الأمر بالجميع إلى النجاة الكاملة. أما في أماكن أُخرى، لا يختلفُ أهلُها كثيراً عن أهل هذا المكان، فيه معلمون كجارتنا، ومهندسون مثلي، وعمالٌ مثل العامل المناوب في مكتب العقار، في تلك الأماكن يدوي الموتُ مباشرةً، ولا يتركُ لأحدٍ أي فرصةً أن يفكر بالنجاة، فهم يؤخذُون إليها محمولين على جناح الريح، مع كل ذكرياتهم وأشيائهم الحميمة.

حيناً ما، سوفَ ترفعُ الحربُ أفضالَها، وينشغل كلٌ بما يعيدُه إلى نفسه. يعودُ النازحون إلى بيوتهم، من لا زال بيته واقفاً يزيل الركام من حوله ويتفقد خزانات الماء وأشياء أخرى، ويغسل نفسه مما حملته كتفاه. يعودُ الأطفال لصيحاتهم في الصباح، ويلتقون في حاراتهم ليخبر بعضُهم بعضاً عما جرى عليه وقت الحرب، وربما يواجه بعضُهم الموت لأول مرة حين تشغر أماكنُ أصدقائهم، ربما يكونُ بينهم ناجٍ من مجزرة يخبرُ زملاءه عن أشلاء رجل أو طفلٍ أو امرأة رأى دماءهم تغلي خارج أجسادهم. سيذكر الكثيرون أشياءَ كهذه، وسيذكر هؤلاء الأطفال أنهم شعروا بشجاعتهم حين توقف خوفهم بعد الغارة الثانية أو الثالثة. سيكتشف هؤلاء الأطفال أنهم شجعان، وسيبدأون بالحلم. أحدُهم سيمسح وجهه بالطين ويطلق قلبه ويدعوه أن يكون مقاتلاً، وآخر سيلفُّ نفسه بوشاحٍ أبيض أو أخضر وينطلقُ ليسعفَ جريحاً قذفته قنبلة من على سريره إلى الطريق، أو ليجري عمليةً لرجلٍ أتى إلى المستشفى على قدم واحدة. وطفلٌ آخر، سيجمع كفيه ويصوبهما نحو السماء ويدعو أن يصير صاروخاً يحلقُ إلى فلسطين أو إلى أينما كان وطنُه. وآخر سيظل صامتاً، يتساءل في نفسه عن الذي كان يفعله الشهيد حتى صار شهيداً يحلق فوق أجنحة الغيم.
وحتى ذلك الحين، لن يكونَ الموتُ الذي نعجزُ أن نمنعه ونعجزُ أن نعيشَه إلا صفة انتظارنا العاجز. أن ننتظر مجزرةً جديدةً يكشفُ عنها الصباح، أن ننتظر نحيباً بارداً يزنُّ في قلوبنا، وأن ننتظر فرصةً نخبرُ فيها الذين يموتون أننا سبقناهم نحو النجاة، وأن كل صلواتنا لم تكن كافيةً لتمسك بهم، كل الفرح لم يكن كافياً ليغريهم بالبقاء، وأن كل الأطفال الذي يبحثون عن شركاء لهم في اللعب لم يُفلحوا أن يقبضوا على أصدقائهم قبل أن يصعدوا بعيداً إلى الأعلى. وأننا قدر ما حاولنا أن نتخلص من شكنا في أشياء كثيرٍ من ضمنها ذواتنا، فقد فشلنا، وإن كنا لازلنا نمسُكُ بهذه الحياة بأسناننا التي تآكلت من فرط الخوف الذي ينتهكُ أجسادنا، ونرى أنفسنا كل يومٍ في مرايا لا تُعيدُ إلينا صورتنا الأولى، بل ترسم لنا صور الهول الذي يربضُ على صدورنا.
حتى ذلك الحين، فإن طفلاً ما، في مكانٍ ما، يعرفُ كيف يجيبُ عن كل الأسئلة التي تدور علينا رحاها. يعرفُ روحه جيداً، ويعرف قطرات دمه قطرةً قطرة، ويعرف عدد أصابعه ومصيرها، ويعرف لِمَ خلق في صدره هذا القلب الخفاق. يعرفُ أنه جديرٌ بكل شيء، جديرٌ أن ينام في فراشه مطمئناً أنه يفعل ما خُلق لأجله، أنه يعيش الحياة كما ينبغي. جديرٌ أن ينظر إلى نفسه في المرآة فيرى فارساً لا يشق له غبار، وعاشقاً لا يزهد قلبٌ في عشقه، وإنسانٌ لا يموت.