أربعة وعشرون شهراً منذ أن سيطر تنظيم «داعش» على مدينة الموصل، في العاشر من حزيران 2014، بعد انسحاب تام للقوات الأمنية ما زال لغزاً محيّراً حتى اليوم، رغم كل التحقيقات التي أجريت لمعرفة ما جرى. سيطر التنظيم على كافة مفاصل الحياة، وأصدر في 13 حزيران 2014 ما سمّاها «وثيقة المدينة» التي تكوّنت من 16 مادة، وضع فيها خطوط حكمه العريضة وتعليماته المتشددة، بما فيها توعّد من يخرج عن طاعته بالقتل. وفي 23 حزيران 2015، بثّ شريط فيديو ضمن إصداراته المتكررة بعنوان «إن عدتم عدنا» يصوّر فيه إعدام 16 مدنياً من أبناء الموصل، بتهمة التجسس ومناهضة التنظيم. ويُظهر التسجيل «اعترافات» سبعة أشخاص يؤكدون انتماءهم إلى إحدى الكتائب المناهضة لـ«داعش»، وتنفيذ عمليات مسلّحة وتحديد مواقع وأهداف لـ«التحالف الدولي» لقصفها. وإن دلّ هذا الشريط على شيء، فعلى ميزة مدينة الموصل (405 كم شمال بغداد) عن باقي المدن العراقية، بكثرة المنتسبين السابقين إلى القوات الأمنية في ما قبل عام 2003، وإلى كافة التشكيلات من الضباط لكل من وزارتي الداخلية والدفاع. وجعلت هذه الميزة عملية بقاء التنظيم داخل المدينة مستحيلة، في ظل مقاومة مهّدت الطريق لتشكيل كتائب وفصائل مسلّحة، نفذت العشرات من العمليات في خلال الفترة الماضية.
يوجد في الموصل أكثر من ألفي مقاتل ضد «داعش»

اليوم، وفي الوقت الذي بدأت فيه القوات الأمنية من «الفرقة 15» و«لواء 37» في الجيش العراقي عملياتها العسكرية في قضاء القيارة (65 كم جنوبي الموصل)، يستعد الموصليون لثورة كبرى على «داعش» بقيادة عسكريي الكتائب والفصائل المناهضة للتنظيم. جميع المؤشرات تؤكد أنّ عملية تحرير الموصل ستكون داخلية لا خارجية، وأن المقاومة المسلّحة ستلعب دوراً مهماً في المعركة. وفي هذا السياق، يقول العميد المتقاعد علي الشمري لـ«الأخبار»، وهو أحد ضباط مدينة الموصل ممّن اضطروا إلى مغادرتها بعد سيطرة «داعش» عليها، إن التنظيم «يعرف جيداً أن مقاومة ما سيلاقيها في الموصل عاجلاً أو آجلاً، بسبب طبيعة أهلها المناهضة للتطرف، وامتلاك المدينة خبرات عسكرية كبيرة تؤهلها لتشكيل فصائل مناهضة».
وتؤكد مصادر داخل الموصل لـ«الأخبار» أن «داعش بات يعيش حالة من الرعب، بعد اغتيال وقتل العشرات من عناصره وقادته بعمليات مسلّحة منظمة، استخدم فيها كواتم الصوت أو بنادق القنص، وحتى العبوات الناسفة واللاصقة التي ركزت أساساً على قيادييه». كذلك أشارت مصادر متطابقة إلى وجود أكثر من ألفي مقاتل من أبناء مدينة الموصل، منتظمين بنحو جيد وقد استكملوا استعداداتهم لطرد «داعش»، ومقاتلته علناً في حال وصول القوات الأمنية إلى حدود المدينة وتخومها. كتائب «الموصل» وكتائب «تحرير نينوى» وكتائب «أم الربيعين» وكتائب «المصطفى» و«ضباط أحرار نينوى» و«كتائب «النبي يونس»، هي من الفصائل التي أعلنت نفسها قوةً مسلّحة مناهضة لـ«داعش» داخل الموصل، مركز محافظة نينوى شمالي البلاد. وما زال عمل تلك الكتائب وأيديولوجياتها وإدارتها وأعداد عناصرها وخططها المستقبلية وغيرها من التفاصيل طيّ الكتمان، منذ تشكيلها قبل عامين. أحد قادة «كتائب المصطفى» الذي طلب أن يُكنّى بـ«أبو عمر»، يشير إلى أنّ كتائبه تمكنت من اغتيال وقتل العديد من قيادات «داعش» في الموصل، ويؤكد تصاعد عمليات الفصائل المقاومة للتنظيم، في خلال الأسابيع الماضية. وفي حديث لـ«الأخبار» عبر «سكايب»، يوضح أنّ «جلّ ما تسعى إليه الكتائب المقاومة لداعش في الوقت الحالي، هو تحرير الموصل من الداخل، لتجنيبها ويلات القذائف والتفخيخ».
«جرت مزاوجة الكتائب المسلحة ما بين قادة عسكريين سابقين عملوا في جيش صدام، وبين ضباط أمنيين في القوات الأمنية المشكلة ما بعد تغيير النظام السابق، مع عدد من الأكاديميين وطلبة الجامعات وعلماء دين وغيرهم من شرائح المجتمع»، يضيف أبو عمر، لافتاً إلى أنّ «هناك أكثر من 600 مقاتل فاعل تابع لكتائب المصطفى وغيرها، ينفّذون عمليات مسلّحة، تصاعدت مع مرور الوقت حتى جاءت لحظة إعلان تحرير الفلوجة».
وقد انتقلت العمليات المسلّحة ضد «داعش» في الموصل، بعد تحرير الفلوجة، من الفردية النوعية إلى العمليات الكمية والكبرى. وفي ليلة الثالث من تموز الحالي، شهدت مناطق الموصل الغربية والشرقية (حيّ 17 تموز غرباً وحيّ سومر شرقاً) اشتباكات كبرى، عقب هجوم شنّه ما يقارب 100 مقاتل من فصائل المقاومة على مقار «داعش»، ومنها أكبر مقارّ للحسبة غربي المدينة، قتل في خلاله 17 عنصراً من التنظيم، فيما أحرقت سبعة مقارّ للتنظيم.
من جهتها، أكدت القيادات الأمنية في بغداد وجود تنسيق كبير بينها وبين أهالي مدينة الموصل، ولا سيما هؤلاء الذين آلوا على أنفسهم مقاومة «داعش»، والذين يزوّدون العمليات المشتركة وأجهزة الاستخبارات بكافة المعلومات عن التنظيم. وقد هيّأت الكتائب، في خلال الفترة الماضية، «العديد من التقارير الاستخبارية الفاعلة للعمليات المشتركة، التي مكّنتها من استهداف العشرات من معاقل داعش ومخازن أسلحته ومنازل لقيادييه، أو بعض منهم في أثناء تنقلاتهم»، بحسب ما يشير قائد «كتائب المصطفى». ويضيف «أبو عمر» أن كل مقاتل سيتلقى مهمات محدّدة، موضحاً أن عناصر أمن سابقين ومتمرسين سيكون منوطاً بهم القيام بأعمال عسكرية، إضافة إلى مهمات أخرى موزعة على مجاميع الاستطلاع والدعم اللوجستي والمعلوماتي، فضلاً عن عدد من الخبراء بالاتصالات الإلكترونية.