أخبَرته أنها تشتاق إلى أهلها وتريد زيارتهم بعد سنوات من الغياب. حزمت أمتعتها وحجز لها زوجها من مطار مسقط إلى مطار صبيحة في تركيا، وبعدما اشترى لها بعض الهدايا وأوصلها إلى بوابة الطائرة. لوحت له مودّعة دون أن يعرف أنه الوداع الأخير. في مطار صبيحة كان ينتظرها حبيبها الافتراضي الذي تعرفت عليه منذ عام عبر «فايسبوك»، كان قد جهّز كل ترتيبات السفر عبر البحر إلى أوروبا، وفور وصولهما غادرا ليلاً عبر «البلم» المطاطي في رحلة الموت التي خاض تجربتها كل الهاربين بأحلامهم إلى بلاد الحب والحرية. ما سبق ليست قصّة من نسج الخيال، هي قصة فتاة سورية تركت زوجها العُمانيّ الذي تزوجته رغماً عنها، وهربت من أجل حبّها، الذي لم يعد افتراضياً، بل أصبح واقعياً وتحميه السلطات الأوروبية وفق برنامج اللجوء المعمول به في هذه البلاد. الآن، هما زوجان في بلد لا يطالبهما بأية وثائق رسمية لإثبات زواجهما، إذ يكفي أن يجمعهما الحب حتى يحصلا على منزلٍ وعلى حق اللجوء، في بلاد «تقدّس» حرية اختيار الشريك المناسب أو استبداله كلما أصبح ذلك ضرورة مُلحّة.


«العشق الممنوع»

ليست هذه القصة الوحيدة التي جمعت عاشقين هربا بقلبيهما إلى موئل آمن، لا تطاولهما فيه أيدي الأهل لتغسل عار «الخطيفة»، إذ غامرت هزار (اسم مستعار) بالهروب مع ثلاثة أطفال من شمال سوريا، تاركة خلفها زوجها الذي ينتظر لم الشمل. وحالما أصبحت في أوروبا، تعرّفت على محمود ـ وهو شاب هرب من أتون الحرب ـ الذي أغراها بكلامه المعسول ورسم لها حياة وردية. وبعدما جمعهما الحب في «كامب» اللاجئين، اختفى فجأة، بعدما ترك في أحشائها طفلاً لم تقرر حتى اللحظة ماذا تفعل به. تروي هزار التي لم تبلغ عقدها الثالث، قصتها لـ«الأخبار»، وهي تحاول جاهدة إخفاء الدمعة في عينيها: «زوجوني أهلي وبعدني زغيرة، كان عمري 15 سنة، ما كان بدي اتزوج لكن ما حدا أخذ رأيي. أمي قالت أنت ما تعرفين مصلحتك بعدك زغيرة، المهم تزوجت وصار عندي ثلاثة أطفال، ومع ذلك كنت أتمنى أسمع كلمة حلوة من زوجي، أحاول دائماً أخليه يغازلني أو يسمعني كلام حلو لكن ما في فائدة». وحول حبيبها الجديد الهارب تقول: «حالما علم أني حامل، تغيرت معاملته وبدأ يتهرب مني، ثم اختفى نهائياً. يبدو أنه قدم طلب نقل إلى مدينة أخرى. أبلغت السلطات قصتي وهم سيتكفلون بالأمر ولا أعرف هل أجهض الطفل أم احتفظ به». علمت عائلة هزار بما جرى، وبدت رغبتهم بـ«غسل العار» واضحة، فلا الشهادات الجامعية التي يحملها إخوتها ولا عيشهم في بلد أوروبي كبير سيجعلهم يسكتون عن الانتقام لشرفهم وذبح أختهم، ما دفع السلطات الرسمية لأخذ الاحتياطات ووضع هزار وأطفالها تحت الحماية الأمنية، بينما تحاول الوصول إلى صيغة تفاهم مع أخوتها.

تركت زوجها العُمانيّ وهربت مع حبيبها عبر مطار صبيحة

«زوجة تحت الطلب»

يبدو أن الكبت والضغط النفسي اللذين يعانيهما بعض أفراد المجتمعات الشرقية يولّدان عندهم فهماً خاطئاً للحرية ومساحتها التي يمكن أن يعيش ضمنها الإنسان من دون أن يقع في أخطاء قاتلة لإنسانيته بالدرجة الأولى، قبل روحه وجسده. اللاجئ العراقي علاء، تعرف على سوزان (اسمان مستعاران) في «كامب» اللجوء، حيث كانت تزور أقاربها مع أمها وإخوتها الصغار، وبعد نظرات واستلطاف عزم الشاب على الزواج منها، وهذا ما جرى بعد خطبة لفترة قصيرة. يروي علاء باقي قصته: «بعد الزواج صارت سوزان تتغير كل ما نروح زيارة لأهلها، هم بمدينة ثانية عايشين بكامب. عرفت بعدين أن السبب أمها». وبعد عدة أشهر، ذهبت العروس لزيارة إلى أهلها ولم تعد، يقول علاء: «حاولت أن اتصل بها أكثر من مرة لكنها لم ترد على اتصالاتي، قررت أروح لبيت أهلها... الصدمة كانت لما وجدت أن أمها قد زوجتها لشخص آخر. لم استوعب الأمر أبداً»، ويضيف: «تركتني بعدما شعرت أمها أن الفلوس ياللي معي رح تخلص، وما أخذت إقامة، راحت زوجتها لواحد معه إقامة وفلوس».

« شباب»

بعض الشبان أيضاً وجدوا مساحة من الحرية ليعبّروا عن مشاعرهم تجاه بعضهم بعضا، لذلك قصدوا بلاداً تحترم حقهم في اختيار الشريك، وتتيح لهم ممارسة حياتهم بسقف حرية عالٍ جداً. سامر وعمار تعارفا في خلال موجة اللجوء الأخيرة ووصلا معاً إلى أوروبا، وبما أن تنظيم «داعش» نفذ العديد من أحكام الإعدام بحق مثليي الجنس، كما أن الدين الإسلامي والمجتمع العربي والقانون تُجرّم «من يأتي هذا الفعل»، فقد أتت فرصة الحصول على إقامة في إحدى الدول الأوروبية على طبق من ذهب. يشرح سامر لـ«الأخبار»: «يحق لي ان أحب من أريد وأنا تعرفت على عمار وحبيته، وهو كمان. وصلنا لهون وعشنا أحلى أيام مع بعض، بس بعدين اختلفنا بعد ما أخذنا الإقامة، هو تعرف على شاب، وهذا الشيء زعجني بالأول، بعدين تعرفت أنا كمان على شاب عراقي...». يتابع سامر: «هون الحياة كتير حلوة، وما في أي شي ممكن يعكرك أبداً والقوانين كلها لصالحك يعني أنت هون حر بكل معنى الكلمة، والناس آخر همنا، المهم نكون مبسوطين بحياتنا».