يبدو أن الأزمة السياسية القائمة بين السلطات البحرينية والمعارضة، تتجه إلى المزيد من التصعيد والتعقيد، خصوصاً أن الأوّل رسم مساراً صدامياً بينه وبين المكوّنات السياسية والشعبية في البلاد.

فبعد سحب الجنسية لأبرز علماء البحرين، الشيخ عيسى قاسم، وإغلاق «جمعية الوفاق الإسلامية»، وعددٍ آخر من الجمعيات المماثلة، أعلن القضاء البحريني حلّ «الوفاق»، «واهباً» أموالها لخزينة الدولة.
وحلّ القضاء البحريني، في حكمه الصادر في 17 تموز، «جمعية الوفاق الإسلامية»، التي تُعَدّ أكبر الجمعيات السياسية معارَضةً في المملكة الخليجية، متهماً إياها بـ«القيام بممارسات استهدفت مبدأ احترام القانون، وأسس المواطنة المبنية على التعايش، والتسامح، واحترام الآخر، وتوفير بيئة حاضنة للإرهاب». إضافةً إلى ذلك، أمر الحكم القضائي بـ«وهب» أموال «الوفاق» التي جمدتها الحكومة الشهر الماضي، لخزينة الدولة.
لم يمرّ الحكم دون استنكار دولي، وجاء أبرزه عن «مُرشدتَي» المملكة الصغيرة، حكومتي بريطانيا والولايات المتحدة، اللتين ترددتا، على مدى سنوات، في انتقاد المنامة. وفي بيان أصدرته الأخيرة، عبّر وزير الخارجية الأميريكي، جون كيري، عن قلق واشنطن العميق من قرار حكومة المنامة، معتبراً إيّاه الإجراء «الأخير» ضمن خطوات مزعجة قامت بها، بينها إسقاط جنسية (الشيخ) عيسى قاسم، أبرز علماء البحرين، واعتقال الحقوقي المعارض نبيل رجب. وأكّد أن مثل هذه الخطوات «لن تقوم إلا بزعزعة أمن الإقليم»، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات «لا تتسق مع مصالح الولايات المتحدة، بل توتر علاقة الشراكة بين البلدين».

رفضت المنامة «تدخّل» واشنطن ولندن في شؤونها

أما المملكة المتحدة، فقد عبّر وزير خارجيتها، بوريس جونسون، عن قلقه من قرار حلّ «الوفاق»، داعياً الحكومة البحرينية إلى ضمان الحريات السياسية لكافة مواطنيها.
في المقابل، ردّت الخارجية البحرينية على استنكار حلفائها، إذ أملت أن «تراعي الدول الحليفة، والصديقة، مصالح المملكة التي تحرص على مراعاة مصالح جميع الحلفاء والشركاء»، واضعةً ذلك في إطار «الحفاظ على العلاقات التاريخية المتميزة، وضمان الأمن والاستقرار في المنطقة».
في المقابل، وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، القرار بـ«الإجراء غير البناء، ويأتي في إطار تشديد الضغوط على الشخصيات والجمعيات المعتدلة في البلاد»، مضيفاً أن «إجراءات الحكومة البحرينية سوف تؤدي إلى المزيد من التعقيد للأوضاع».
بدورها، اعتبرت «الوفاق»، في بيان صادر عن نائب الأمين العام الشيخ حسين الديهي، أن «القرار يعكس العقلية الاستبدادية والواقع الشمولي الذي تعيشه البحرين»، مؤكّداً أن ادعاءات النظام «تفتقر إلى المبررات القانونية، أو حتى السياسية، خصوصاً أن الجمعية تمثل الغالبية من شعب البحرين». وقال: «إننا في مواجهة مشروع طائفي يقوم على مظاهر الإبادة للطائفة الشيعية... وإلغاء الوفاق جزء من هذا المشروع التدميري». ولم يقتصر الردّ على القرار بالخطاب السياسي، بل امتدّ إلى الشارع، حيث وقعت مواجهات بين قوى الأمن البحريني وعددٍ من المتظاهرين، في العاصمة المنامة. وأطلقت قوات الشرطة الغاز المسيل للدموع باتجاه المتظاهرين الذين احتجوا على حلّ «الوفاق». وصعّدت السلطات خطواتها بالتوازي مع القرار القضائي، باتخاد قرارٍ آخر، اعتقلت على إثره إمام أكبر صلاة جمعة في البلاد، محمد صنقور، بعد 4 أسابيع على قرار أئمة المساجد، وإيقافهم لصلاة الجمعة، احتجاجاً على «الاضطهاد الطائفي». غير أن السلطات سارعت إلى امتصاص خطوتها المتسرعة، متداركةً الوضع، فاطلقت سراحه، بعد يومٍ من اعتقاله، والتحقيق معه بتهمة التحريض على كراهية النظام، والخطابة من دون ترخيص.
ورأت «هيئة كبار العلماء في البحرين» في اعتقال الصنقور «استهدافاً عملياً لشعيرة الجمعة، والخطاب الديني» مستنكرين «هذا العمل المجافي للدين، ولخصوص مذهب أهل البيت».
إلا أن البارز، في بيان «العلماء»، إعلان طبيعة المواجهة بين السلطة والمعارضة. فالـ«هيئة» حاولت مراراً تجنّب خطاب كهذا، باعتباره طائفياً، ولا يخدم مسار الحراك السلمي، إلا أن القرارات الأخيرة، الصادرة عن السلطات دفعتها إلى إعلان موقف كهذا، وانتهاج خطاب كهذا. فالخطوةٍ لافتة، وهي الأولى من نوعها، خصوصاً أن «العلماء» (الشيخ عيسى قاسم، والسيد عبد الله الغريفي، والشيخ عبد الحسين الستري، والشيخ محمد صالح الربيعي) أعلنوا بصريح العبارة أن «المكوّن الشيعي مستهدف في وجوده»، وأضاف بيانهم: «إننا كمكوّن أساسي وأصيل، من مكونات هذا الوطن، باتت قناعتنا كبيرة بأننا مستهدفون في وجودنا وهويتنا، ومطالبين بإيقاف هذا الاستهداف».
في المحصلة، إن القرار جائر، بشهادة العديد من المنظمات الحقوقية الدولية، ولن يستطيع أن يمحو معارضة حصدت ما يفوق 64% من أصوات الناخبين البحرينيين في الدورتين الانتخابيتين 2006 و2010.