استؤنفت في العاصمة الكويتية قبل يومين المفاوضات بين أطراف النزاع اليمني. المواقف المعلنة التي صدرت عن الطرفين، أظهرت أن الخلاف بينهما يكمن في تحديد أولويات جدول أعمال المحادثات. ففيما يصرّ وفد الرياض على إلزام الطرف الآخر بتنفيذ القرار الدولي الداعي إلى الانسحاب من المدن، بالإضافة إلى نزع السلاح الثقيل من حركة «أنصار الله» وتسليمه للجيش الموالي للسعودية، يطالب وفد صنعاء بتشكيل حكومة وفاق وطني ومجلس رئاسي بدايةً، بالتزامن مع بدء اللجان الأمنية المتفق عليها عملها في سحب السلاح الثقيل والانسحاب التدريجي من المدن.

هذا في الشكل، أما حقيقة الأمور فهي مختلفة كلياً عمّا تبدو عليه مشاورات الكويت إعلامياً. فالمفاوضات الدائرة هي انعكاس لموازين القوى الإقليمية، إذ تحاول القوى الدولية رسم خريطة المنطقة بما يتوافق مع أجنداتها وبما يعزز حضور حلفائها. والأرجحية في هذا المجال ليست لحلفاء واشنطن.

المفاوضات حاجة للجميع بمن فيهم الولايات المتحدة

اليمن هو إحدى الساحات المفتوحة، إن كان من جهة الحرب التي تشنها السعودية على البلد، أو من جهة الاقتتال الداخلي بين الأطراف اليمنية. والسؤال المطروح هنا: هل تصل هذه الجولة المسقوفة بخمسة عشر يوماً إلى النتائج المرجوّة، أي حلول وسط ترضي الطرفين؟ للإجابة عن هذا السؤال، يجب العودة إلى السقف الذي وضعته السعودية منذ الأيام الأولى للحرب على اليمن، التي كان هدفها المعلن القضاء على «أنصار الله» وإلزامهم بـ«العودة إلى جبال مران» في صعدة.
السعودية لم تحقق أهدافها من الحرب، ولم تستطع إخضاع اليمن، في وقت تشوهت فيه صورة جيشها المهزوم على الحدود بين البلدين، كذلك فإن سمعتها الدولية تضررت جراء مجازرها بحق الشعب اليمني وأطفاله. لكنها في المقابل لم تنكسر بعد أو تصل إلى المرحلة التي تفكر فيها بعقلانية وفق استراتيجيات الحروب أو الخروج الآمن من الصراع برمته. وهي ترى أن الحلول الوسط هي لمصلحة اليمن، وتصر على أن يكون بالكامل تحت وصايتها وهيمنتها، الأمر الذي أصبح مستعصياً ولا يمكن القبول به من مكونات الشعب اليمني مهما غلت التضحيات.
وفيما ظهرت صعوبة الاستمرار بالحرب سعودياً، على الأقل بالنسخة التي بدأت بها، كان لزاماً على الرياض الخضوع للضغوط الدولية المطالبة بإيجاد مسار سياسي من خلال المفاوضات المباشرة بين صنعاء والرياض وبين الأطراف اليمنية المتنازعة.
وعطفاً على السؤال السابق، عمّا إذا كان المسار السياسي التفاوضي المعمول به حالياً هو من أجل الوصول إلى نتائج سياسية تفضي إلى الاستقرار باليمن، أم أن هذا المسار مطلوب إبقاؤه حياً لمواجهة الضغوط والتفلت من المطالبات الدولية الداعية إلى الحوار.
قبل الطرفان، السعودي واليمني، بالهدنة الحالية التي رسمت حدود الصراع بينهما كلٌّ حسب أجندته وحساباته. فالسعودي حريص جداً على وقف إطلاق النار على الحدود بين البلدين والقول إن الصراع في البلد هو داخلي يقتصر على الأطراف اليمنية، والادعاء أن مشاركته بالحرب كانت فقط تحت سقف «مناصرة الشرعية» المتمثلة بالرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، المعترف به عربياً ودولياً.
أما «أنصار الله» و«المؤتمر الشعبي العام»، فقد كان سقفهم السياسي منذ البداية وحتى اللحظة، ينسجم مع سيادة اليمن، ومع التعاون مع الجميع على قاعدة حسن الجوار والتفاهم لحل القضايا العالقة. وقد وفّر لهم المسار السياسي التفاوضي (الذي كان دائماً مطلباً يمنياً) الفرصة لعرض مطالبهم المحقة أمام الرأي العام العربي والعالمي، وهو يخفف ولو قليلاً معاناة الشعب.
تبقى المفاوضات في إطار مسارها السياسي الحالي في الكويت حاجة للجميع، بمن فيهم الولايات المتحدة. واللافت أن واشنطن تعزز حالياً حضورها المباشر جنوبي البلاد بحجة محاربة «القاعدة»، ويتسع هذا الحضور مع مرور الوقت عبر تعزيز القوات المرابطة في قاعدتي العند شمالي عدن ومطار الريان في حضرموت.
إذاً، يبدو أن المطلوب هو بقاء «صورة» المفاوضات إلى حين موعد الانتخابات الأميركية، للقول إن المسار السياسي مستمر بغضّ النظر عمّا إذا كانت المفاوضات لذاتها أو لتحقيق نتائج فعلية. وكذلك، إلى حين اقتناع السعودية بترك اليمن ينجز سيادته واستقلاله، وهذا ما لن يحدث في المدى المنظور، إذ ستستمر الرياض بالرهان على الوقت، وسيبقى رهان صنعاء على الميدان في إحداث ضغط يجبر السعودية على إنهاء الصراع.