قبل الحرب، كان مشفى الأطفال التابع للهلال الأحمر في حيّ السليمانيّة في حلب يتربّع على رأس المشافي المتخصّصة في هذا القطاع، نظراً إلى تطوّر تجهيزاته وتميّز الكادر الطبي العامل فيه. تدريجيّاً بدأت إدارة فرع المنظمة في حلب بإيقاف بعض أقسام المشفى المذكور وتحويلها إلى مقارّ إدارية، أو مستودعات لتخزين مواد «إغاثيّة». تعدّدت التبريرات المعلنة لهذا الإجراء، منها ما يتعلّق بوقوع المكاتب الإدارية للهلال الأحمر في حيّ الزهراء الذي تحوّل إلى منطقة ساخنة، ما اضطرّ فرع حلب إلى «نقل المكاتب الإداريّة من الزهراء إلى مشفى الأطفال منذ عام 2012»، وفقاً لما أكّده مدير الفرع هائل عاصي لـ«الأخبار». الكارثة كانت في اتّخاذ إدارة الفرع قراراً بإغلاق قسم العناية المشدّدة في المشفى منذ عام 2013، وهو أمرٌ حُمّلت أسبابه لـ«الظروف التي مرّت بها حلب من انقطاع مستمر للتيار الكهربائي» وفقاً لعاصي الذي أكّد لـ«الأخبار» أنّ «هذا القرار صائب، ويهدف إلى تجنيب الأطفال المخاطر الناجمة عن أي توقّف لقسم العناية المشدّدة بسبب انقطاع الكهرباء». يأتي ذلك في وقت تجهد فيه معظم المشافي الحكوميّة والخاصّة في المدينة للحفاظ على عمل أقسام العناية المشدّدة فيها نظراً إلى تزايد الحاجة إليها، وتعتمد هذه المشافي على مولّدات الكهرباء بالديزل لتغطية انقطاع التيار المستمر. وتأخذ محافظة حلب على عاتقها توفير المازوت اللازم لهذه المشافي بسعر مدعوم ووفق كميات محدّدة تبعاً لاحتياجات كل مشفى. المفارقة أنّ منظمة الهلال الأحمر استمرّت في خلال السنوات الماضية بلعب دورٍ وسيطٍ في نجاح عمليّات نقل المازوت اللازم لتشغيل المرافق الحيوية التي تسيطر عليها «جبهة النصرة» وحلفاؤها في أحياء حلب الشرقيّة (وعلى رأسها مؤسسة المياه) بموجب اتفاقات متتالية بين السلطات السورية والمجموعات المسلّحة، ما يعني أنّ الإمكانات اللوجستيّة متوافرة لدى المنظمة، وليس من المنطقي أن يُعجزها توفير المازوت لتشغيل قسم حسّاس مثل العناية المشدّدة للأطفال.

لا يشمل ترخيص مشفى الأطفال تقديم الخدمات الإسعافيّة

«ما في زباين»!

لمدير فرع المنظمة في حلب رأيٌ مغايرٌ للسّائد، مفادُه أنّ «الحاجة إلى وجود قسم عناية مشددة للأطفال ليست كبيرة، الأمر الذي ينطبق على قسم الحواضن. فعدد النزلاء قليل جدّاً». ودعماً لوجهة النظر هذه، يضيف مدير فرع المنظمة الإنسانيّة «مشافي الأطفال الخاصة بحلب قاعدة بلا شغل وعم تحاول تغير اختصاصها». وبمعنى آخر، إنّ شراء المازوت لتشغيل قسم العناية المشدّدة ليس ضروريّاً، لأن عدد الزبائن منخفض! ويبدو جليّاً أنّ كلام عاصي ينبع من طريقة تفكير استثماريّة، وهو أمرٌ يخالف بالمطلق آليّات عمل منظمة مثل الهلال الأحمر. اللافت أنّ عاصي أورد خلال الحديث الهاتفي الذي أجريناه معه مبرّرات كثيرة ومختلفة في سبيل إثبات صوابيّة قرار إغلاق بعض أقسام المشفى، فهو حيناً مرتبطٌ بانقطاع الكهرباء وعدم توافر المازوت، وحيناً بانخفاض عدد النزلاء، وآخر بالحرص على حياة الأطفال خوفاً من القذائف (وبالتالي الامتناع عن استقبالهم!). وعلاوةً على كل ما تقدّم يضيف عاصي كمبرّر «حاسم» لقرار إغلاق بعض الأقسام مفادُه أنّ «ترخيص مشفى الأطفال في الأساس لا يشمل تقديم الخدمات الإسعافيّة». وبعبارة أخرى، فإنّ المشفى التابع لمنظمة إنسانيّة قرّر أن أفضل طريقة لالتزام بنود ترخيصه إغلاق عنايته المشدّدة، المؤهّلة أساساً لاستقبال الأطفال حتى سن العشر سنوات. وينبغي الأخذ في الاعتبار أنّ العناية المشدّدة أمر يحتاجه الأطفال إذا أُسعفوا إلى مشفى آخر مؤهل لإجراء عمليات جراحيّة إسعافيّة، فإلى أين يذهب ذوو الطفل المريض بطفلهم بعد أن تُجرى له جراحة إسعافيّة ولا وحدات عناية مشدّدة مختصّة بالأطفال في المشافي الحكوميّة؟ عاصي الذي حرص على التأكيد قبل أيّام قليلة أمام عدد من الزملاء الإعلاميين الذين زاروا المشفى أنّ قسم العناية لن يعاد افتتاحه، قال أمس لـ«الأخبار» إنّ «إعادة العناية المشدّدة أمر وارد في حال وجود الحاجة إلى ذلك، لكن الحاجة غير قائمة»! أمّا «أبرز» ما أفادنا به المدير، فإنّ «أولويات المنظمة تتغيّر حسب الحاجة. اليوم لم يعد مشفى الأطفال أولوية أساسيّة، لدينا أولويات أخرى مثل مياه الشرب، وتقديم الدعم النفسي، والمعونات للأسر المتضرّرة».

أين التجهيزات؟

قسم العناية المشدّدة في مشفى الأطفال من أفضل الأقسام تجهيزاً في سوريا، لا في حلب فحسب. ومن بين تلك التجهيزات أربعة أجهزة تنفّس (مَنافس) كان المشفى قد حصل عليها عبر تبرّع قدّمه أحد أبناء حلب المقيمين في الولايات المتحدة بكلفة تُقارب مليوني دولار. والتساؤل الذي يطرح نفسه اليوم هو إذا كانت إعادة تشغيل القسم ضرباً من المستحيل، فما هو مصير هذه الأجهزة؟ ووفقاً لأي منطق أو قانون «إنساني» ستبقى في غُرف مُغلقة يأكلها الغبار والصّدأ؟ أم أنّ هنالك «قطبة مخفيّة» جعلت تلك الأجهزة «تتسرّب» إلى وجهة مجهولة؟ وعلاوة على كل ذلك، ما هو الدافع الذي حدا بإدارة المشفى إلى وضع لوحة «العناية المشدّدة» على باب قسم «الخدّج» قبل أيام خلال زيارة لبعض الصحفيين بغية الإيحاء بأن «العناية المشدّدة» ما زال في العمل وتجهيزاته موجودة، قبل أن يعود عاصي ويؤكّد لنا أن هذا القسم مُغلق؟