وُلدت فكرة إنشاء منظّمة الصليب الأحمر الدوليّة من رحم الحروب. كان السويسري جان هنري دونانت هو الداعي الأوّل إلى إنشاء مثل هذه المنظومة، بعد رحلة أجراها سنة 1859 إلى إيطاليا في فترة حرب سولفرينو. مهّدت دعوة دونانت لتأسيس الصليب الأحمر عام 1863. واستناداً إلى أفكاره وُلدت معاهدة جنيف عام 1864، وكان أوّل من حصل على جائزة نوبل للسلام عام 1901م (مناصفة مع الفرنسي فريدريك باس). انبثقت عن «الصليب الأحمر» منظمات «الهلال الأحمر» في الدول العربية والإسلاميّة، وعملَت وفق أسس المنظمة الأم. لكن، في عام 2016 قرّر رئيس فرع المنظمة في حلب أنّ «القيام بعمليات الإسعاف ليس من أولويّات المنظّمة»! استناداً إلى هذا القرار «التاريخي» اعتاد سكان الأحياء الغربية في مدينة حلب، كلّما انهمرت القذائف على أحيائهم (وهو حدثٌ شبه يومي)، أن يهرعوا إلى إسعاف الجرحى باستخدام أي وسيلة نقل متاحة: سيارات أجرة، سيارات خاصّة، سيارات نقل... بينما تجثم سيارات الإسعاف التابعة للمنظمة الانسانيّة بلا حراك.


ألّا تصلَ خيرٌ من أن تصل متأخّراً!

مدير الفرع، هائل عاصي، يبدو متصالحاً مع هذا الواقع وراضياً عن قرار تغيير الأولويّات. يقول لـ«الأخبار» إنّ «علم إخلاء الجرحى ينصّ على أنّ المصاب بالقذائف يجب إخلاؤه في غضون سبع دقائق على الأكثر». ويضيف: «أيّ سيارة إسعاف قد تحتاج إلى نصف ساعة كي تصل إلى موقع المصابين. يعني منكون وصلنا عالفاضي وما في داعي إلنا»! يؤكّد عاصي أنّ «الشرح يطول في موضوع الإسعاف»، ومع إصرارنا على سماع الشرح، يشرع في الحديث عن «علم إسعاف المصابين بالقذائف» و«أنواع الإسعاف الثلاثة». نعيد تصويب الحديث في اتجاه «امتناع الهلال الأحمر عن المشاركة في عمليّات الإسعاف»، فيرمي الكرة في ملعب مديرية الصحة ومحافظ حلب. يقول «إسعاف المصابين بالقذائف هو من اختصاص مديرية الصحة، إذا طُلبَت منّا المؤازرة فنحن جاهزون، لكنّ المديرية تقول إنّ أمورها تمام». يتحدّث عاصي عن خطّة طرحها على مدير الصحة (محمّد حزوري) والمحافظ (مروان علبي)، مفادُها تشكيل «لجنة إسعاف» بحيث يتم تقسيم مدينة حلب إلى قطاعات جغرافية، تتولّى كلّ قطاع جهةٌ أو جمعيّة ما.

... ومدير الصحة «متوجّس»

للوقوف على رؤية مديرية الصحة لواقع منظومة الإسعاف في حلب وردّها على طرح الهلال الأحمر، تواصلت «الأخبار» مع مديرها محمّد حزوري (وهو عضو في مجلس الشعب أيضاً). حزّوري أبدى تحفّظاً على الإدلاء بأي تصريح هاتفي، واكتفى بالقول «بتعرفو الظرف، ما تواخزوني، تصريح عالهاتف ما بعطي، ما بشارك بهي اللعبة».

أسطول أم سيّارتان؟

يؤكّد مدير فرع الهلال الأحمر في حلب أنّ الفرع «يمتلك سيّارتين فقط، مخصّصتين لخدمة مرضى المشفى حال الضرورة». أما المشفى المقصود فهو مشفى الأطفال الذي تم إيقاف العمل ببعض أقسامه وتحويل عدد من طوابقه إلى مستودعات ومكاتب إداريّة (راجع «الأخبار»، العدد 2939). وطبقاً لمعلومات حصلت عليها «الأخبار» من مصادر عدّة، يشتمل أسطول سيّارات فرع المنظمة الانسانيّة في حلب على:
ـ سيارة إسعاف تقليديّة مجهّزة بالكامل عدد 2 ــ سيّارة إسعاف تويوتا لاند كروزر ميدانيّة عدد 3 (تم تحويلها إلى سيّارات للإداريين) ــ سيّارة رعاية طبيّة متكاملة يمكن أن تعمل كعيادة متنقّلة عدد 1 ــ سيارة إسعاف حديثة مجهّزة بإنعاش وعناية حثيثة (ICU) عدد 1 ــ ميكروباص حديث يصلح لتجهيزه كعربة إسعاف عدد 6، إضافة إلى السيارات المخصّصة لإدارة الفرع وموظفيه. كذلك كان الفرع قد قدّم في السنوات الماضية سيارة إسعاف لنقطة منبج (ريف حلب الشرقي) واستولى عليها تنظيم «داعش» لاحقاً، وسيّارة إسعاف لنقطة أورم (تسيطر عليها حاليّاً «الجبهة الشاميّة») وما زالت السيارة تعمل هناك بعد طمس اسم «الهلال الأحمر».

لماذا حصل الفرع على سيّارات جديدة؟

المفارقات في القضيّة متعدّدة، أبرزها أنّ فرع حلب على وشك تسلّم سبع سيّارات إسعاف جديدة مقدّمة من الوكالة السويسريّة للتنمية! رئيس فرع حلب تجاهل في حديثنا معه هذه السيارات بشكل تام، ولم يُشر إليها. وكانت قد تسلّمت المنظمة في الأسبوع الماضي 12 سيارة إسعاف من الوكالة، وأكّد رئيس المنظمة عبد الرحمن العطار أنه «سيتم تخصيص فرع المنظمة في حلب وريفها بـ7 سيارات بينما ستوزع بقية السيارات على المحافظات الأخرى». فهل يعلم رئيس المنظمة أن فرع حلب قد اتّخذ قراراً بالإحجام عن المساهمة في عمليات الإسعاف؟ أم أنّ الاستقلالية التي يحظى بها الفرع أكبر من التوقّعات؟ وما هي خطط الفرع لاستثمار السيارات التي يُنتظر وصولها بين لحظة وأخرى لتنضم إلى أسطوله؟

الفرع يحب «المشاريع»

يصرّ مدير الفرع على أنّ الطريقة الأفضل لحل موضوع الإسعاف هي «تأهيل المجتمع المحلي والجمعيّات الخيريّة». يقول عاصي «نحن في موضوع الإسعاف عم نشتغل شي تاني، تدريب المجتمع المحلي والجمعيات الخيرية. عنّا مدربي إسعاف قادرين يدربو المجتمع المحلي. وعم نشتغل على خطط مستقبلية». وإخلاصاً لهذه الرؤية، وقّعت إدارة الفرع أخيراً اتفاقيات مع «جهات مانحة» للعمل على «تدريب 2000 سائق على التصدّي لمهمات نقل المُسعَفين مستقبلاً». اللافت أن هذا المشروع لم يكن على ما يبدو أولويّة قصوى لدى الفرع، وتمّ التنبّه إليه بعد 4 سنوات فقط من اجتياح الحرب تفاصيل الحياة اليوميّة في الشارع الحلبي، بينما حظيت مشاريع أخرى بأولوية أكبر، مثل «مشروع الرعاية النفسيّة» الذي بلغت تكلفته خلال العام الفائت 400 مليون ليرة سوريّة (أكثر من مليون دولار وفق سعر الصرف عام 2015).

تساؤلات تطرح نفسها

يتداول الشارع الحلبي جملة أسئلة تبدو مشروعة حول إحجام «الهلال الأحمر» عن المشاركة في عمليّات الإسعاف، وتُعقد مقارنات بين أداء فرع حلب وأداء فروع المحافظات الأخرى التي يستمرّ معظمها في القيام بهذه المهمة الانسانيّة التي تُعتبر جزءاً أساسيّاً من مهمات المنظمة. وتشير معلومات متقاطعة حصلت عليها «الأخبار» إلى أنّ جذور إحجام الفرع عن المشاركة في عمليّات الإسعاف تعود إلى عام 2012، حيث قام فريق تابع للهلال الأحمر بمحاولة تهريب مسلّحين من حي صلاح الدين داخل سيّارة إسعاف تابعة للفرع، ليتمّ ضبط السيارة والتحقيق مع المتطوعين، ثمّ إخلاء سبيلهم وفك احتباس السيارة. وعلى خلفيّة ذلك امتنع الفرع عن القيام بأي عملية إسعافية في أحياء حلب الغربيّة.




تحت قبّة البرلمان
عضو مجلس الشعب السوري عن محافظة حلب زينب خولة طرحت أخيراً قضيّة الهلال الأحمر أمام المجلس. وتطرقت المداخلة إلى موضوعي مشفى الأطفال ومنظومة الإسعاف، إذ «لم يُلاحظ في كل مناطق حلب أيّ تدخل إسعافي لهذه المنظومة المجهزة ومعها أهم العناصر المدربين للإسعافات الأولية، كما أننا لا نرى سيارات إسعاف الهلال الأحمر تتحرك ولم تنقل أي جريح، بل تبقى ساكنة مركونة»، كما جاء في المداخلة. وتقول خولة لـ«الأخبار» إنّ «رئيسة المجلس أبدت اهتماماً بالموضوع، وقدّمت لها المداخلة مكتوبة. ونحن في انتظار الجلسة القادمة لمتابعة الموضوع».