حان الوقت كي تقوّم مجموعات نضالية وبحثية من أبناء فلسطين، سواء الذين انخرطوا في النضال ضد الكيان الصهيوني العنصري الاستيطاني، أو من النخب الفكرية والثقافية الملتزمة من أبناء الوطن في الداخل والخارج، وفي المخيمات والمهاجر، حالة التحرر الفلسطينية. على تلك المجموعات أن تتبنى أجندة عمل تستهدف تقويم مسيرة النضال الفلسطيني من عام 1948 حتى الآن، أي من الحرب الأولى التي انتهت بالنكبة إلى الحكومة الفلسطينية أكانت في الضفة أم غزة. وعلى تلك المجموعات أن تدرس مسارات القضية وتأثير الخارج الدولي والإقليمي والعربي والمحلي في القضية، وعليها أن تدرس بتوسع علاقة ذلك بكل منظمات العمل النضالي الفلسطيني من بدايات النشأة وتأثير البيئة الدولية والإقليمية والقومية إلى ما انتهت إليه تلك المنظمات في مرحلة ما بعد أوسلو، وما اجتهدت فيه وأصابت وما قصدت فيه وخابت، وكيف أن مسارات القضية قد تحكمت فيها بتوجيه المسارات أو التأثير فيها أو التأثر بها.

تعددت أطر وقنوات النضال الفلسطيني وفق الرؤية التي بلورها للمرحلة التاريخية مناضلو تلك الأطر، ووفق تبنيهم أيديولوجيا كانت سائدة في العالم مثلما فعلت منظمات اليسار الفلسطيني («الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، أو منظمات عملت على تسييد الفكر القومي العربي («حركة القوميين العرب»)، وكذلك «حماس» و«الجهاد الإسلامي» اللتين تم تأسيسهما وفق فكر الإسلام الجهادي. كان ذلك تقسيماً حسب الأيديولوجيا، وتضافر معه تقسيم حسب التمويل، لذلك ظهرت التنظيمات الممولة من السعودية ودول الخليج، وظهر التمويل الإيراني، والتمويل الآتي من النظم العربية. كل ذلك أثر بصورة كبيرة وخطيرة في مسارات تلك المنظمات والأطر الفلسطينية، بل هناك تمويل دولي يأتي للسلطة الفلسطينية، وهناك تمويل غربي يأتي لمنظمات المجتمع المدني. هكذا توجهت كل مصادر التمويل إلى فلسطين، وكل منهم له أغراضه التي بالتأكيد أثرت في القضية والشعب والمنظمات.

لعلّ اللحظة مناسبة
بعدما سدّت قنوات التسوية وصارت مستحيلة

من هنا لا بد من التقويم النقدي لتلك المسيرة، ولعلها لحظة مناسبة بعدما سدت قنوات التسوية وصارت مستحيلة، وتم تقسيم الأرض: أرض 48 وأرض الضفة وأرض غزة، وتم تقسيم السلطة: أبو مازن و«حماس»، كما تم تقسيم الشعب إلى قاطني مخيمات وأهل مهاجر ولاجئي 48 ولاجئي 56، 1967، 1973، بالإضافة إلى مسارات القضية في المحافل الدولية والفوائد أو الخسائر التي شكلت الحصاد لتلك المسيرة، من هنا تأتي أهمية التقويم والدراسة واستخلاص النتائج كي تستطيع الأجيال الجديدة الحاملة للقضية، والتي على عاتقها ظهرت الانتفاضات الشعبية.
كذلك على انتفاضة السكين، أن تؤسس وتبني وتنظّر لمشروعها التحرري الفلسطيني الجديد الذي لن يقوم إلا بالدراسة التقويمية تلك لكل الأطر والقنوات التنظيمية الفلسطينية والمسارات الفكرية الأيديولوجية والسياسية المتبناة من تلك المنظمات، حسبما التأثير والتأثر الذي تم مع العالم والقضية في كل وقت. نستطيع أن نجزم بأنه لا تقدم في مسارات القضية الفلسطينية ولا وجود لدولة ذات سيادة ولا حق للاجئين ولا حق لتقرير المصير ما لم تقم الطلائع والنخب الفلسطينية بتقويم تلك المسيرة.
على تلك الجماعات، التي سوف تشرع في تبنّي قضية تقويم المسيرة تلك، الانفتاح على قوى تحررية عدة سواء أكانت أجنبية أم عربية، حتى تكوّن مساراً إنسانياً لقضية تحرير فلسطين سواء من الذين آمنوا وانخرطوا في النضال المسلح أو غيرهم. لعل «الجبهة الشعبية» كانت نموذجاً لذلك، وهناك امتدادات جهادية إسلامية أو منظمات حقوقية صديقة للقضية أو ناشطين أمميين مؤيدين للقضية؛ الانفتاح على كل هؤلاء سوف يضيف أبعاداً إنسانية وتقدمية للقضية ويساعدنا في تقديم ما هو جديد للقضية الفلسطينية.
لعل هذا يجعلنا نضع أيدينا على بعض العناصر المهمة التي يتم التركيز عليها نضالياً حتى تكسب القضية الفلسطينية، مثل عنصرية الكيان الصهيوني، وقضية القدس والإجماع الإيماني حولها، وقضية اللجوء وحق العودة، بالإضافة إلى الحق الأساسي في الوطن المستقل والدولة ذات السيادة... وسبل تحقيق ذلك.
أخيراً، مسيرة التقويم هي البداية الحقيقية والصادقة لبدء مشوار نضالي جديد من أجل التخلص من السلبيات التي تراكمت عبر السنوات وتعقد الظروف الدولية والإقليمية والعربية والمحلية، بسلبيات من قبيل علاقة قضية التحرر الوطني بالدين الإسلامي، وتأثير ذلك في النسيج المجتمعي الفلسطيني، وعلاقة التحرر الوطني بالنظم الإقليمية القطرية، وعلاقة التحرر الوطني بأفكار أممية عالمية تجعل القضية في مجالات تأثر من السياسة الدولية، وكذلك المصالح العالمية.
من المؤكد أن مسيرة التقويم سوف تدرس العلاقة بين مراحل النضال المختلفة وعلاقة ذلك بالكفاح المسلح وكذلك النضال السلمي والمراحل والتوقيتات المناسبة لذلك كله. هكذا يجد أبناء فلسطين في الخنادق والملاجئ والمهاجر أنفسهم أمام أجندة جادة ومستوجبة في اللحظة الراهنة حتى يكونوا قادرين على تجديد مسيرة نضالهم وتحقيق أهدافهم في وطن محرر ودولة مستقلة ذات سيادة. نعلم جميعاً، وفي القلب منا أبناء فلسطين، أن الثمن غالٍ وأن المستهدف تحقيقه ثمين، لذلك هو يستحق النضال ودفع الثمن.