كانت جدتي سودة تنتقي أصدقاءها "ع المسطرة". أي إنها لم تكن لتجعل من أي امرأة في المخيم صديقة لها إلا اللواتي يفهمنها ويستحملن طباعها الغريبة. بالرغم من حقيقة أن رفيقات سودة هنّ أربع أو خمس فقط، إلا أن أغلبهن ضيّقات الصدر وقليلات الصبر، مثلها تماماً. لا بل، والحق يقال، كانت هي تتفوق عليهن جميعاً، و... بقوة. كأنهن كنّ يتبارين في ذلك، حتى أصبحنا نحن الصغار نعتقد أن هذه سمات الكبيرات في السن، لكثرة ما اعتدنا سماع بهدلاتهن ونحن نلعب أمام الدار.

صحيح أن عددنا كان كبيراً وأننا كنا نحب اللعب بشدة، وأن أصواتنا كانت "تلعلع"، على حد وصف سودة حين كانت تؤنبنا، بالأخص عندما كنا نصرخ كالقرود حين نجد أحداً منا مختبئاً خلال لعبة "الغميضة". وكنا نهزّ قناني البلاستيك التي ملأناها بالكلل الزجاجية ونخضّها حتى نصدر ضجيجاً يوحي بعدد الكلل التي ربحناها، إلا أننا ببساطة، كنا أطفالاً.
كنا نهرب من أمام سودة إذ ما تهرول وصديقتها بكيزة إلى باب الدار رافعتين عكازيهما كالخيزران، فتضحك بسخرية: "هربتوا؟ يلا اندفشوا من هون أحسن ما أخلي العكازة تعلم على إجريكو"، وتميل بوجهها إلى بكيزة قائلة: "أغلقي باب الدار يا بكيزة، وقفليه بالمفتاح لأشوف كيف رح يرجعوا بس تعتم الدنيا. خليكوا هربانين ليجوا الخطافين يخطفوكوا". كانت تنال منا في كل مرة وتجعلنا نعود إلى الدار ونعتذر لها ونحلف إننا لن نكرر الأمر، ثم نشطف الدار عنها عقاباً لنا.
لكن كما أن لكل قاعدة استثناء، كانت جدتي الثانية"مريم" ابنة قرية اللزازة هي الاستثناء. أذكر أن سودة لم تكن تحبها كثيراً، وربما لم تحبها حتى قليلاً، لأسباب عدة. أستطيع أن أقول إن السبب الرئيسي هو أن مريم مختلفة جداً عن سودة، وكأنها نقيضها. ابنة اللزازة الطيبة القلب كانت تشتري لنا أكياس البطاطا بنكهة الفستق اللذيذ، وتناولنا بعضاً من السكاكر التي كانت تبقى عندها من العيد للعيد. كانت سودة ترى أن طيبة القلب ضعف، وأن على الجدات الفلسطينيات أن يكن قويات لا يلين قلبهن لشيء حتى يستطعن النجاة في الشتات وخارج أرضهن.
أذكر أني سمعت سودة تخبر بكيزة ذات ليلة عن حادثة حصلت معها عندما ذهبت مع مريم لتعزية أم قاسم بوفاة زوجها. كانت أم قاسم تسكن في آخر المخيم، والزواريب في تلك المنطقة من المخيم مليئة بالوحل ومياه المجارير التي تطوف صيفاً وشتاءً دون حل. قالت سودة إن مريم اصفرّ وجهها عندما نظرت إلى الصغار وهم يلعبون بالوحل بلا أحذية وثيابهم متسخة، وإنها بقيت طول الطريق تستغفر الله وتشعر بالحزن عليهم كيف أن في المخيم مناطق أسوأ من غيرها بكثير. حتى إنها أخذت تدمع وتردد: "يا رب لإيش كل هل شقا، لإيش كل هالبهدلة ولإمتين بدنا نظل هيك؟".
ما إن رجعتا إلى بيت سودة، حتى تقيأت مريم وأخرجت كل ما كان في بطنها. ثم بقيت يومين لا تأكل شيئاً باستثناء الخبز الحاف وتشرب المياه النظيفة. وأنهت سودة خبريتها لبكيزة قائلة: "كان ناقص بعد تبكي علشان يتعلموا منها القرود الصغار. أموت وأفهم كيف شخشبت وقلبت صفرا من ورا هيك إشي! وهي اللي طلعت من فلسطين متلنا متلها بالنكبة وأكتر من هيك، جوزها وأخوها شُهَدا بتل الزعتر".