"إيلي بيشوف مصيبة غيره، بتهون عليه مصيبته". قبل سنتين لم أكن أدرك كم هي حقيقية هذه الجملة، حتى رأيت مصائب غيري بعيني، تحديداً في مجمّع الأمام الأوزاعي في صيدا حيث يقطن ما يزيد على ألف نسمة في مبنى شبه مكتمل، لا يصلح حتى لإقامة جبرية لمدة يوم واحد. هؤلاء، تخطت إقامتهم الأربع سنوات. هناك، لا يمكنك تمييز الروائح بسبب اختلاط رائحة الطعام مع رائحة المجارير. هناك، لا تعرف الضوء ولا العتمة. هؤلاء، لا مكان لهم إلا هناك، ونحن نريدهم خارجه.

أحمد، ذاك الولد المشاغب، لم يتردد في أن يحشر نفسه بين جموع النسوة اللواتي أتين لتسلّم حصصهن. وقف ساكتاً، مراقباً، لانتهاز لحظة غفلة يأخذ فيها خلسة كيساً مليئاً بالأغراض التي لا تفيده بشيء! أحمد، لا يهمه ما في داخل ذلك الكيس، كل همه أن يأخذ من أحدهم شيئاً، ولو بالقوة! راقبته وهو يتربّص، وهو يأخذ الكيس ويغادر كأن أحداً لم يره، وتبعته في ممرات المجمع اريد ان اعرف اين سيذهب.
دعوني أخبركم قليلاً عن تجمّع الأوزاعي. هو مكان يشبه المخيم، ولكن ظروف العيش فيه أسوأ منه بعشرة أضعاف: مكوّن من ثلاثة أدوار، لا يوجد فيه إمدادات للكهرباء ولا للمياه، والصرف الصحي فيه خارجي ومُعدم، ما يجعل رائحة المجارير تعشّش في الجدران. تحتل كل عائلة غرفة داخل المجمّع، بعض الغرف لا ترى النور، بعضها الآخر يراها نادراً، بعضها يعيش فيها أكثر من عشرة أشخاص، بعضها الآخر لن تعرف ما يجري بداخلها. أروقة المجمّع تشبه أزقة المخيم، لكن من دون أسلاك الكهرباء، تضيق أكثر كلما توغلت فيها أكثر، فيضيق قلبك معها. الحمامات مشتركة، عتمة، لا تعرف فيها ما هو المخصص بالنساء وبالرجال. في مجمّع الأوزاعي تعيش أكثر من ألف روح، ولكن من دون حياة، جدران رمادية، عتمة مخيفة، أولاد يركضون كالأشباح قهقهتهم تُحيي الميت وكأن لا شيء مريب يحدث هنا، أو، أنهم أطفال لم تأتهم فرصة مقارنة هنا مع هناك الذين أتوا منه.
أحمد يحمل الكيس الزهري، من متر إلى متر تتغير في المجمّع الاتجاهات، تعبت أنا، وأحمد لم يتعب، استسلمت وتركته يغادر مع الكيس.. استحق ذاك المشاغب الكيس عن جدارة!
عُدت إلى مكاني للمراقبة بعد جهد، وما هي إلا دقائق حتى عاد أحمد مع الكيس، وضعه مكانه وغادر!
"شو قصة هذا الولد؟!"، أسأل فتجيبني إحدى الفتيات: "هذا ولد فلسطيني إجا لحاله لهون". لحاله؟ ثم فهمت أنه اجتاز الحدود اللبنانية - السورية وحده، ومن وقتها اعتبره سكان المجمّع يتيم الأبوين.
لعنتُ الحرب، لعنتُ الحدود، لعنتُ نفسي، واللعنة الأكبر كانت من نصيب الكيس الزهري.