«ما تخلّيك محدّد يا ابني». اغتاظ أنور السادات من إصرار الطالب، الواقف أمامه، على انتقاد سياساته في ملفّي الانفتاح الاقتصادي والعلاقات مع إسرائيل، المستجدّيْن في المداخلة نفسها. كيف للشاب العشريني الذي يشارك في لقاء الرئيس مع الطلاب بعد «انتفاضة يناير» عام 1977، أن يجرؤ على مساءلة الجانبين الاقتصادي والوطني، أي كلّ ما يعد به السادات المصريين لإدخالهم في «العصر الجديد»؟

منذ ذلك الحين، اتخذ حمدين صباحي خطاً سياسياً يجمع بين مطالب المصريين في العدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية، كردّ فعلٍ على ذلك «العصر» الذي لا تزال مصر أسيرته برغم محاولات السنوات الخمس الماضية للفكاك منه. يقول صباحي، الذي حلّ ضيفا على مكاتب «الأخبار» قبل أيام ضمن زيارته بيروت في ذكرى «ثورة يوليو»، إن مصر لا تزال تعيش في زمن «الجمهورية الثانية» التي بدأت عملياً مع اجتماعات «الكيلو 101» عام 1973، بين مصر وإسرائيل، أي بالتمهيد لتدشين «زمن الانفتاح» الذي تكلّل بمعاهدة «كامب ديفيد»، على أنقاض «دولة 23 يوليو».
يرفض الرجل الناصري ما يسمّيه «اختزالاً» بوصف الدولة المصرية الحالية كامتداد لـ«دولة يوليو» في إحالة على «حكم العسكر»؛ مصر بالنسبة إليه، ودّعت جمهورية عبد الناصر الصاعدة القائمة على ركائز التحرر الوطني مع تلك المباحثات، وهي عالقة منذ ذلك الحين في «زمن السادات» برغم تبدّل رأس السلطة مرات عدة. لذا، لا تغيير حقيقياً في «أرض الكنانة» قبل الوصول إلى «الجمهورية الثالثة» والقطع مع هذا الماضي.
عرفت مسيرة صباحي الكثير من الصعود والهبوط، لكنها لم تبلغ ذروتها إلا خلال «ثورة يناير»، وفي المرحلة التي تلتها حينما صار رقماً صعباً في الحراك السياسي المصري بالتزامن مع حظوظه الجادّة في الانتخابات الرئاسية عام 2012.
لكن «الحلم»، الذي بدا تحقيقه ممكناً مع صعوده والقاعدة الشعبية التي يمثلها في أعقاب الثورة، ما لبث أن تبدد، أو على الأقل شارف على ذلك في المرحلة التي تلت عزل الرئيس محمد مرسي. فمع إغلاق المجال العام بعد وصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، دخل صباحي، مثل الحراك السياسي برمّته في مصر، مرحلة ركود مستمرة حتى اللحظة، لم تخرقها إلا عودته إلى الضوء مع جهات وتيارات مدنية وعدت بإمكانية إيجاد «بديل»، يعيد الروح إلى الحياة السياسية في زمن «الرئيس الجنرال» الذي بدا منذ وصوله إلى السلطة كأنه «الرجل الأخير» بعد سنوات الفوضى، و«خاتم الرؤساء» بالنسبة إلى المصريين.
إذاً، وبعدما لاح طيف التغيير الممكن في السنوات الماضية، عاد المشوار ليبدو طويلاً من جديد. وقد يكون المسير أصعب هذه المرة، في ظلّ القبضة الحديدية للسيسي ومحاولته الإمساك بمفاصل الحكم كافة، لكن «الأمل» لم ينطفئ بعد؛ يؤكد صباحي أن شعبية السيسي تراجعت كثيراً، لأنه برأيه «فشل في المجالات الثلاثة التي خرج الناس إلى الميادين لأجلها: عيش، حرّية، عدالة اجتماعية». فلا هو استطاع أن يحسّن في السياسات الاقتصادية، بل على العكس، تشهد مصر اليوم تدهوراً غير مسبوق في قيمة الجنيه، في وقتٍ لا تزال فيه الهوة الطبقية والنظام الضريبي على حالهما.
أما عن الحريّات، فيشير صباحي إلى أنه يكاد لم يبق منبر إعلامي يعارض السيسي بعد تضييقه على الإعلام والصحافة، فضلا عن الاعتقالات ثم الاختفاء القسري الذي انتشر أخيراً. من ثم جاءت قضية جزيرتي تيران وصنافير لتمثل «سابقة» في تاريخ مصر، لأنه لم يسبق أن تنازل رئيس عن أرض مصرية. بعدها «توّج» السيسي سياساته بالتبشير بـ«السلام الدافئ» مع إسرائيل، ثم بإيفاده وزير الخارجية إلى الأراضي المحتلة، ليتضح أن «الجنرال» أخفق حتى الساعة على جميع المستويات.
يبدو صباحي، من جديد، واثقاً بإمكانية التغيير الحقيقي وبوعي المصريين بعد التجربة الأخيرة، فالسيسي بالنسبة إليه، «آخر الجنرالات في الحكم»، لكن المعارض القديم، لم ينجُ في السنتين الأخيرتين، من تهمة المشاركة في «تكريس الحكم الشمولي». فلقد طاولته انتقادات كثيرة، مثل أنه كان «واجهة سياسية مدنية» في انتخابات الرئاسة عام 2014 عبّدت الطريق لوصول السيسي إلى الحكم، وأن ترشحه لم يكن سوى حركة شكلية عززت شرعية السيسي وساعدته على الوصول عبر صناديق الاقتراع، لا على «ظهر دبابة» كما كان من المفترض أن يكون.
هل هذا التأكيد كافٍ لـ«اتهام» الرجل، غالباً من المعارضين الليبراليين، بأنه «المعارض الذي تريده السلطة»؟ وبأن أي حركة سيكون في واجهتها لا ترمي في حقيقتها إلا إلى إضفاء المزيد من الشرعية على الحكم القائم، عبر «تطعيم» المجال العام بحراك سياسي لا يمثل خطراً على سطوة هذا الحكم واستمراريته؟
مع كل ما يراه مؤسس حزب «الكرامة» من مساوئ في حكم السيسي، هو يؤكد أن المطالبة اليوم بإسقاط هذا النظام، أمرٌ «غير عقلاني». ويوضح أن أي حراك يطالب بإسقاط نظام السيسي في الوقت الراهن، «يعني ثمرة ستسقط حتماً في جيب الإخوان». العمل بالنسبة إلى الرجل يجب أن يصبّ حالياً في تكوين كيان سياسي منظّم يكسر الثنائية التي بدت أبدية وكرّستها التجارب الأخيرة في مصر بين «الإخوان» والعسكر.
«المصريون لن يحتملوا خيبة ثالثة»، بعد الأحداث الدراماتيكية التي أفضت إلى إسقاط رئيسين ووصول ثالثٍ بظرف ثلاث سنوات، من دون أن تأتي بتغييرٍ حقيقي أو بتحقيق ما نادى به من التحقوا بالميادين في «25 يناير» وفي «30 يونيو».
إذاً، ما العمل؟ يؤكد الرجل الذي يبدو أن عقود تصدّر الميادين والاعتقالات والأحلام والخيبات لم تثبط عزيمته بعد، أن العمل جارٍ على توحيد قيادتي حزب «الكرامة» مع «التيار الشعبي»، تحت اسم «تيار الكرامة» الذي سيشارك في أول استحقاق في الانتخابات المحلية قبل نهاية العام الجاري.
تعلّم التيار المدني في مصر من «الإخوان» درساً مهماً: أنت لن تستطيع الوصول إلى أي تغيير من دون معايشة الناس في مدنهم وقراهم وأحيائهم البعيدة، وإعانتهم في مشكلاتهم اليومية. وهكذا صار التطلع نحو التغيير أو «البديل» يقوم حالياً على ركيزتين: التنظيم أولاً، والدفع باتجاه «الجمهورية الثالثة» ثانياً.
وحين يُسأل صباحي عن الخيبة والإحباط، ينتفض رافضاً، ويحيلنا على المقالة الأخيرة التي نشرها في صحيفة «الشروق» بعنوان: «سيدنا الشعب» الذي يؤكد فيه ثقته بالمصريين وبوعيهم. أما من أعلنوا إحباطهم (بعض النُخب)، فهم «لم يكونوا في يوم على تماسٍ حقيقي مع الناس»، يقول الرجل الذي يرفض التعالي على الناس أو ادعاء تثقيفهم سياسياً، لأن «أي صياد من قريتي (بلطيم) واعٍ وفاهم الحكاية كلها بطريقته أكثر من أي مثقف».
وفي وقتٍ لا تزال فيه مصر غارقة في نفسها، يبدو الحديث عن أي خطابٍ خارجي لأي مشروع سياسي بديل، ترفاً، لكن الرجل الناصري يذكّر بمبادئه في أي حديث عن السياسة الخارجية. وينطلق صباحي في هذا المجال من التذكير بأن الأساس هو أن إسرائيل عدو، وبأن النقاش في القضايا الإقليمية يبدأ من هذه المسلّمة.
من هنا، يؤكد أنه مع الدولة في سوريا، خشيةً من التقسيم ومن سيطرة «مجموعات المرتزقة الممولة من الخليج والولايات المتحدة». كما يرى أنه يجب تقدير دعم إيران لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين، لكنه يتحدث في المقابل عن دور إيران الذي «كان سلبياً في العراق». وبالحديث عن طهران، يرى صباحي أنه لا يمكن للعرب تحصين أنفسهم من «القوميتين المتنافستين معهم في المنطقة»، الإيرانية والتركية، إلا عبر إعادة تعريف مفهوم العروبة الغائب حالياً، لمصلحة النزاع المفتعل برأيه، تحت عنوان «السنّي ــ الشيعي».




... متّهم بـ«التخابر مع حزب الله»

تعرّض كلٌ من مؤسس حزب «الكرامة» و«التيار الشعبي»، حمدين صباحي، ورئيس حزب «مصر القوية»، عبد المنعم أبو الفتوح، لانتقادات واسعة على خلفية مشاركتهما في مؤتمر «دعم المقاومة ورفض وصمها بالإرهاب»، قبل نحو أسبوع في بيروت.
وتقدّم سمير صبري، وهو أحد المحامين المقرّبين من الدولة، ببلاغ إلى نيابة أمن الدولة، ضد المرشحين الرئاسيين السابقين، طالباً إدراجهما على قوائم «ترقب الوصول» قبل عودتهما إلى القاهرة، وإحالتهما على المحاكمة العاجلة، بتهمة «التخابر مع حزب الله والحرس الثوري الإيراني».
واتهم البلاغ صباحي بـ«لقائه بمسؤول الاتصال الإيراني في الشرق الأوسط، ويدعى الحاج مهدي ولقبه أبو سجاد».
وفيما سخر صباحي من هذا الكلام، متسائلاً عن هوية المسؤول الإيراني المذكور، قللت مصادر مصرية من جدّية البلاغ، مستندةً إلى هوية المحامي الذي «لا يؤخذ كثيراً على محمل الجدّ» لدى القضاء.
(الأخبار)