ليست هذه المرة الأولى التي يحطّ فيها السفير القطري محمد العمادي، في أراضي قطاع غزة المتوقع وصوله إليها مجدداً هذا الأسبوع، وفق تأكيد وزارة الأشغال والإسكان. لكن في كل مرة ترتبط زيارته بحدثٍ يثير الضجيج، ويكون دائماً صوته أعلى بكثير مما ينتج من طحين لا ينهي معاناة الغزيين.

لمع اسم العمادي في ضوء القضايا التي أنيطت به لحلها، تحديداً المتعلقة بملفي التهدئة والإعمار، ولعب فيها دور الوسيط بين حركة «حماس» وإسرائيل، وأيضاً السلطة الفلسطينية. كذلك يمثل خيطاً رفيعاً وقناة من قنوات التواصل التي ظهرت أخيراً بعد توسطه لتهدئة الأوضاع في غزة قبل عدة أشهر، حينما زاد التصعيد بسبب إطلاق الصواريخ وارتقاء شهداء.
تدخّل رجل قطر في ملفي الإعمار والتهدئة، في وقت لم تفلح فيه بحل أزمة الكهرباء، التي يتصدرها الآن الأتراك، وهم «عرّاب آخر» لعب دوراً وسيطاً بين «حماس» وإسرائيل، ويمثلون حليفاً قوياً ورئيسياً للحركة التي رأت نفسها «أول الخاسرين» لو نجح الانقلاب على رجب طيب أردوغان.
أما العمادي، فله بتأكيد «الرجل الثاني» في «حماس»، موسى أبو مرزوق، دور كبير في إبرام التهدئة غير المعلنة، أو بالأحرى تثبيت التهدئة القائمة منذ 2014، الأمر الذي يزيد في رفع رصيده. ومفاوضات السفير القطري كانت «حماس» على علم مسبق بها، كما «غرّد» أبو مرزوق، الذي أشاد بهذا الدور بعيداً عن أضواء الإعلام.
اللافت أن العمادي يمسك عدداً من المفاتيح التي تربط علاقة إسرائيل بغزة من دون أن تعترض بقية الفصائل، التي لم يصدر عن أي منها بياناً واضحاً يدين الموقف أو حتى يعرب عن خشيته منه، لكنها تشكك داخل الأروقة في مجمل أهداف التدخل القطري المعلن أنه «إنسانيّ».
السؤال الأهم هنا: كيف انتقل ملف أزمة الكهرباء من القطريين إلى الأتراك؟ هل أخفق الطرف الأول وطلب من الثاني استكمال الوساطة مع إسرائيل، أم أن الأخيرة لا تلقي بالاً للاثنين وتكسب الوقت، فيما تبيع أنقرة والدوحة الوعود لغزة مجاناً؟
يقول الجانب التركي إن لديه ثلاثة مقترحات طرحتها «سلطة الطاقة» في غزة والضفة: الأول هو ربط الكهرباء بخط 161 الإسرائيلي (كان القطاع مربوطاً به قبل الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، ثم قطعته إسرائيل بعد الانسحاب، وكان يزودها بـ 100 ميغا وات). وهذا الحل مناسب عملياً لأن حاجة غزة في الأوقات الحالية هي 420 ميغا وات.
يزيد عليه المدير العام لـ«سلطة الطاقة»، عبد الكريم عابدين، بالقول إن المقترح الثاني هو إعادة تحويل المحطة الحالية من العمل على السولار الصناعي إلى الغاز، لزيادة قدرتها الإنتاجية إلى الضعف (نحو 200 ميغا وات)، عدا عن التكلفة الأقل. وأشار عابدين في حديث إلى «الأخبار»، إلى مقترح ثالث، هو وضع محطة كهرباء أخرى تعمل على الطاقة الشمسية وتنتج 200 ميغا وات تقريباً. لكن الجانب التركي أخذ المقترحات الثلاثة ووعد بدراستها ولم يقدم أي رد بشأن حتى هذه اللحظة.
بولنت قرقماز، وهو «منسق برنامج فلسطين في وكالة التنسيق والتعاون التركية الرسمية ــ تيكا»، لم ينف ذلك، بل أضاف اقتراحاً رابعاً، هو توصيل خط غاز إلى المحطة الحالية. وأكد قرقماز لمراسلنا، أن المشاريع ستنفذ على التوازي لتزويد القطاع بـ420 ميغا وات، هي الكمية التي يحتاجها لكهرباء على مدار الساعة.

«العرّاب» القطري يزور غزة وفي جعبته مسكّنات المرحلة

لكنّ مصادر سياسية رجحت إرجاء تنفيذ هذه المشاريع بعد الأحداث التي شهدتها تركيا، فضلاً عن تأجيل زيارة وفد فني تركي لغزة، لمتابعة قضية تركيب محطة مياه تكفلت أنقرة ببنائها، إلى إشعار آخر.
بالعودة إلى العمادي، قالت مصادر مقربة منه، إنه تمكن من حل قضايا مرتبطة بملف الإعمار، من بينها إيجاد آلية خاصة لإدخال الإسمنت إلى غزة بعيداً عن الآلية الدولية المعروفة بخطة روبرت سيري. والأخيرة فيها قيود مشددة على إدخال الإسمنت وتحرم غير المحرومين الحصولَ عليه.
وقبل وصول الرجل، حدثت ضجة سببها تحويل مسألة تحويل 115 مليون شيقل (31 مليون دولار أميركي)، هو المبلغ المطلوب لصرف رواتب موظفي حكومة غزة السابقة (43 ألفاً).
توقيت المنحة القطرية وتزامنها مع بدء الحملة الدعائية للانتخابات البلدية، التي تعقد للمرة الأولى بعد عشر سنوات بمشاركة غالبية الفصائل وضعت علامة استفهام لدى «فتح» تجاه المنحة، ما دفع القيادي في الحركة يحيى رباح، إلى وصفها بأنها «رشوة سياسية». وأضاف رباح، لـ«الأخبار»، أن «المنحة تقدم إلى موظفي حماس... كان يتحتم تقديمها عبر مالية وميزانية السلطة».
ووفق ما علمت «الأخبار»، فإن المنحة ستدخل من طريق دولة أوروبية يبدو أنها سويسرا، ثم ستعبر إلى البنوك نهاية الشهر الجاري لتصرف مع بداية الشهر المقبل، وهو ما أكده وكيل وزارة المالية في غزة، يوسف الكيالي، الذي قال إن المنحة ستصرف فور وصولها، وستكون بدلاً من راتب شهر واحد فقط. لكن مصادر مطلعة قالت إنه يمكن بالمنحة صرف 50% من الدفعات المقبلة للرواتب لمدة ثلاثة أشهر، وهو ما لم يؤكده الكيالي، مكتفياً بالقول: «هناك تحسن سيطرأ على عملية صرف الدفعات، لكن دون تحديد الموعد».
عموماً، لا يعرف الفلسطينيون الكثير عن العمادي سوى أنه رجل مخابرات رفيع المستوى، وأبرز السياسيين الذين لعبوا دوراً مهماً في الجانب الأمني والسياسي على حد سواء، كذلك لعبت أموال زوجته دوراً آخر لا يقلّ عنه في دعم قيادات محسوبة على «حماس» عبر جمعياتهم الخيرية. وصار السفير القطري يلقب بأنه «رئيس وزراء الظل» في غزة.
ومن المقرر أن يفتتح العمادي المرحلة الثانية من «شقق حمد» التي تضم ألف وحدة سكنية جديدة، والإشراف على إنهاء المرحلة الأخيرة من شارعي الرشيد وصلاح الدين. ولم يخفِ غضبه من آلية التنفيذ في هذه المشاريع بسبب «شبهة فساد» لبعض المقاولين، ما دفعه إلى إصدار قرار بوقف مستحقاتهم المالية، لكن هذه المشكلة حلت لاحقاً دون كشف التفاصيل.
ولوحظ رد فعل عنيف من العمادي عندما حاول أحد المقاولين التعليق على ملاحظاته، فذكّره بأنه مهندس. لكن يبدو أن العمادي انتقل من الهندسة العمرانية إلى هندسة السياسة والأمن عند من يرى في قطر حليفاً استراتيجياً وسط اصطفافات الساحة الإقليمية الجارية.