لم ينفع نأي مدينة القامشلي عن المعارك مع تنظيم «داعش»، من الحفاظ على أمنها واستقرارها، أو حتى ليبعد عنها دوامة الموت التي تضرب البلاد يومياً.

طالعُ المدينة هذا العام كان سيئاً، حينما افتتحت عامها الجديد بتفجيرين انتحاريين في حي الوسطى، لتعود وتضرّج بدماء أبنائها للمرة السادسة، هذا العام، بعد أن انفجرت، أمس، شاحنة مفخخة مخصصة لشحن الأغنام يقودها انتحاري، بالقرب من مقر «الأسايش» (الشرطة المحلية الكردية)، في حي المدينة الغربي، ما أدى إلى سقوط 48 شهيداً و171 مصاباً، إضافة إلى دمار هائل في المباني والمحال التجارية.
وأدّى التفجير إلى سقوط ثلاثة أبنية على رؤوس ساكنيها، نتيجة الكثافة السكانية في المنطقة المستهدفة، ووقوعها على طريق عام القامشلي – عامودا، بالقرب من جامع قاسمو، في أضخم تفجير تشهده محافظة الحسكة.
القامشلي التي يتقاسم فيها الجيش و«وحدات حماية الشعب» الكردية السيطرة عليها، لا تملُّ بعض المواقع الإعلامية من بث الفتنة والتفرقة، مع كل حدث أمني يضرب المدينة، من خلال توجيه أصابع الاتهام إلى الأطراف المسيطرة، ويعزز ذلك ضعف التنسيق الأمني بين الطرفين.
وهذا يترك المدينة عرضة للتفجيرات الانتحارية، فيما تستغلها بعض الأحزاب الكردية المختلفة سياسياً، لتكرار الخطاب ذاته، من خلال توجيه الاتهام لـ«الوحدات» الكردية والجيش، وتحميلهم مسؤولية التفجيرات، وعدم قدرتهم على بسط نفوذهم الأمني، ومنع حصول الخروقات الأمنية.
أما مواقع التواصل الاجتماعي فتتحول إلى ساحة اشتباك، حتى على اسم المدينة، بين القامشلي و«قامشلو» (التسمية الكردية للمدينة). ورغم تبني «داعش» الهجوم ببيان نُشر على وكالة «أعماق»، إلا أن سيناريو الاتهامات يبقى مستمراً. تكرار التفجيرات في الحسكة والقامشلي المكتظّين بالحواجز الأمنية والعسكرية، دفع الكثيرين إلى المطالبة بإخلاء الحواجز في المدينة، والقريبة من مناطق التجمعات السكانية، ونقلها إلى أطرافها، لإبعاد الخطر عن المدنيين، إذ باتت المحافظة آمنة، بعد طرد «قوات سوريا الديموقراطية» لمسلحي «داعش» من الهول والشدادي، وصولاً إلى بلدة مركدة (80 كلم جنوباً عن مدينة الحسكة، و160 كلم عن القامشلي).
مأساة الحي الغربي، أمس، وقبلها في الشهر الفائت تفجير دوار سيفو في حيّ الوسطى، يؤكد أن الإرهاب لن يأبه للصراع على هوية القامشلي أو «قامشلو»، وأن الضحية غالباً هم مدنيون أبرياء، لا ذنب لهم سوى أنهم اختاروا العيش في وطنهم، بعيداً عن غربة الهجرة أو المخيمات، وهو ما يجعل من تعزيز التنسيق الأمني للجهات المسيطرة على المدينة ضرورة ومطلباً شعبياً غالباً ما سيبقى أمنية صعبة التحقّق، في ظل المشاريع السياسية التي تُرسم للمدينة، والصراع السلطوي عليها، والخلافات الكردية - الكردية.