استبق «الحشد الشعبي» الدعوات والمخططات التي تحدثت عن حلّه وتفكيكه بذريعة انتفاء الحاجة له، ليعلن «شرعنة» نفسه، ويروّج لأمر ديواني صادر في شباط الماضي، يتحدث عن هيكلته وإعادة تشكيله وتوفير غطاء دستوري وقانوني له. يأتي ذلك وسط استمرار اللغط الذي يدور بشأن مشاركة «الحشد» من عدمها في معارك تحرير الموصل.

ويعرّف الأمر الديواني، الذي حمل الرقم «91» ويتكوّن من ثماني مواد حصلت «الأخبار» على نسخة منه، «الحشد الشعبي» بأنه «تشكيل عسكري مستقل وجزء من القوات المسلحة العراقية ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلّحة (رئيس الوزراء حيدر العبادي)، ويكون نموذجاً يضاهي جهاز مكافحة الإرهاب الحالي، من حيث التنظيم والارتباط ويتألف من قيادة وهيئة أركان وصنوف وألوية مقاتلة.
كما نص الأمر المذكور على أن التعيينات في «الحشد الشعبي» ستجري وفق السياقات العسكرية من تراتبية ورواتب ومخصصات وعموم الحقوق والواجبات، وعلى فك ارتباط منتسبي هيئة «الحشد الشعبي»، الذين سينضمون إلى التشكيل عن كافة الأطر السياسية والاجتماعية والحزبية «ولا يسمح بالعمل السياسي في صفوفه».
ولفت عضو هيئة الرأي في «الحشد الشعبي» ناظم الأسدي، إلى أن الأمر الديواني جاء لتنظيم «الحشد» وإدارته، وفق أسس جديدة تُراعى فيها مختلف الجوانب الإدارية والمالية وإزالة كافة المعوّقات والعقبات المادية والمعنوية التي كانت تعترض عمل «الحشد الشعبي» منذ تأسيسه. ويشير إلى أنه جرت مناقشة تلك الهيكلية مع قيادات «الحشد» قبل عرضها على العبادي.
الأسدي أوضح، في حديث لـ«الأخبار»، أنّ «الحشد الشعبي» بهيكليته الجديدة سيتكوّن من 20 لواء وستُقسم الأولوية إلى أفواج تختلف أعدادها بحسب عدد المقاتلين. وبشأن المخاوف من أن القانون المذكور سيسرّح عدداً كبيراً من المنتسبين والمقاتلين، بدّد الأسدي تلك المخاوف بالتأكيد أن الأمر الديواني والترتيبات الجديدة الخاصة بـ«الحشد» ستستوعب كافة المقاتلين البالغ عددهم أكثر من 100 ألف حتى الآن. وأشار إلى أن الهيكلة الجديدة ستتشكل من رئيس ونائب رئيس يتمتعان بصلاحيات رئيس ونائب جهاز مكافحة الإرهاب. كذلك لفت إلى أن «فصائل المقاومة التي كانت موجودة قبل صدور فتوى الجهاد الكفائي وتأسيس الحشد الشعبي، في حزيران 2014، كانت وستبقى النواة الأولى للحشد». ويقصد بـ«فصائل المقاومة» محلياً الحركات والفصائل التي قاومت القوات الأميركية بعد احتلالها للعراق في عام 2003 وهي: «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» والجناح العسكري لـ«منظمة بدر»، إلا أنّ الأخير لم يشترك في قتال القوات الأميركية.

نوقشت الهيكلية الجديدة مع قادة «الحشد» قبل عرضها على العبادي

وكانت «عصائب أهل الحق» أول فصيل في «الحشد الشعبي» يرحب بإعلان هيكلة هيئة «الحشد» وتنظيمه و«الحفاظ على العقيدة الجهادية التي تأسس عليها». وقد أكدت على لسان المتحدث الرسمي باسمها نعيم العبودي، استعداد مقاتليها لإلقاء السلاح «حال زوال الخطر عن البلاد وتأمينه من الأخطار الخارجي»، وهي المرة الأولى التي يتحدث فصيل يعد من «صقور الحشد» عن إلقاء السلاح ليبعث برسالة طمأنة بشأن مرحلة ما بعد «داعش».
وفي الوقت الذي لم تطرح فيه أية أسماء بشأن المناصب الجديدة في «الحشد الشعبي»، كشف مصدر في ائتلاف «دولة القانون» بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، أن هناك توافقات مبدئية على تولي الأخير رئاسة «الحشد الشعبي»، والأمين العام لمنظمة «بدر» هادي العامري، الذي يعد الرجل الثاني في «الحشد» حالياً منصب نائب الرئيس. وأكد المصدر لـ«الأخبار» أنّ هناك مباحثات ومفاوضات تجري بهذا الشأن.
وفي السياق، تحدثت مصادر سياسية وبرلمانية عن أن إعادة تشكيل «الحشد الشعبي» وترتيب صفوفه أجريا بـ«مباركة وتأييد» أميركية، بهدف «انسلاخ الحشد عن إيران وجعل الحكومة المسيطر الأول والأخير على شؤونه وتحركاته».
وتأييداً لذلك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي في معرض تعليقه على الإجراءات الأخيرة إن «العبادي كان واضحاً في سعيه لخلق قوة أكثر شمولية ضد داعش تجمع بين القوات المسلّحة وتشكيلات الحشد الشعبي»، مؤكداً أنها «شأن عراقي داخلي تحددها الحكومة العراقية».
قانونياً، أكد الخبير القانوني طارق حرب أن الأمر الديواني المذكور أكد الجانب الدستوري والقانوني لـ«الحشد الشعبي» وأسقط ادعاءات البعض الذي يقول إن «الحشد» مجموعة من الميليشيات. وأشار حرب لـ«الأخبار»، إلى أن القرارات الأخيرة باتّت وملزمة من الناحية القانونية، وستحفظ كافة الحقوق المشروعة لمقاتلي ومنتسبي «الحشد».
وكان «الحشد الشعبي» قد تكوّن بموجب أمر ديواني أصدره رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، في حزيران 2014، وذلك بعد فتوى «الجهاد الكفائي» للمرجع الديني الأعلى في النجف علي السيستاني. ومنذ ذلك التاريخ شارك في غالبية المعارك والعمليات العسكرية ضد تنظيم «داعش»، وكان له الدور الأبرز في استعادة كبريات المدن أبرزها تكريت والفلوجة.
واتسمت علاقة «الحشد الشعبي» برئيس الحكومة الحالية حيدر العبادي بـ«التوتر والتشنج»، وخصوصاً مع قياداته البارزة في ما يتعلق بقيادة المعارك والأمور اللوجتسية والإدارية، وكان أبرز تصعيد للعبادي تصريح أدلى به في شباط الماضي، بأن «الحشد أفرز جماعات خارجة عن القانون».