لا يغيب في مصر التضييق الشديد الذي مارسته السلطة على ميلاد النظام الحزبي في مصر، في ظل غياب إيمانها بالتعدد الحزبي، حتى لو نص عليه في الدستور الذي نال ثقة المواطنين. كان ذلك من جراء الدولة التسلطية التي استحوذت على معظم الأنشطة وكرستها على أرض الواقع، منذ أن تولت الدولة مركزيا توزيع مياه الري على أراضي الفلاحين المصريين وتضخمت أجهزت الدولة. وساعد ذلك على مركزية الدولة وتركيز السلطة ما تسبب في خنق وتضييق البيئة الحاضنة لحركة الأحزاب في كل مرحلة منذ مولد النظام الحزبي المقيد، إلى النظام الحزبي المفتوح. كما أثر ذلك في صحة تلك الأحزاب التي أصابتها الأنيميا.

كان التضييق يصل أحيانا إلى الخنق، وهو ما عايشناه ونعيشه سواء بانفراد السلطة بالقرارات المنظمة للحياة السياسية، أو بانفرادها بإمكانات الدولة على حساب الأحزاب الأخرى، أو بانفراد السلطة بمعظم إعلام الدولة، وهو ما يعرض تلك الأحزاب إلى حملات الكراهية والتهميش. وبرغم كل ذلك نستطيع أن نرصد مراحل كانت لبعض الأحزاب المصرية فيها شعبية لو أن قادة تلك الأحزاب استطاعت أن تكون على قدر المرحلة وعلى قدر تلك الشعبية، لكان الواقع قد تغير نحو الأفضل، لكن الشعبية تسربت من بين أيديها.
هنا نذكر على وجه الخصوص «حزب التجمع الوطني التقدمي» و«الوفد» و«العمل الاشتراكي» و«الناصري» تحت التأسيسي، وأخيرا «الدستور»، وهناك محاولة لم تكتمل هي «التيار الشعبي». ما يهمنا رصده وكشفه في حياة تلك المراحل الشعبية هو أن نضع أيدينا على لحظات تسرب تلك الشعبية وتحديد الأسباب الكامنة التي ساعدت على سرعة تسربها ودور القيادة في ذلك، ودور البيئة الحاضنة... لعلنا نحمل الأسباب التي تجعلنا نمتلك فهما وحلا لتلك المشكلة، لأنها من الأسباب في ضعف نظامنا السياسي.
بدايتنا منذ أعلن السادات المنابر: منبر لليمين تحت قيادة مصطفى كامل مراد، ومنبر الوسط تحت قيادة جمال ربيع، ومنبر لليسار تحت قيادة السيد خالد محيي الدين (عضو مجلس قيادة الثورة السابق). ومن المعروف أن هذا التقسيم الثلاثي قد جرى بأمر من الرئيس السادات برغم أن هناك عشرات تقدموا بالمنابر، لكن الرئيس اختار هذه المنابر الثلاثة تحت زعم أن في الدنيا كلها يمينا ووسطا ويسارا، وعيّن هو نفسه قادتها الثلاثة، واختار أن يكون رمزا للوسط حيث الاعتدال والاتزان دائما!
الشعبية الحقيقية كانت مع منبر اليسار، برغم فوز الوسط بأغلبية المقاعد في البرلمان، ما سمح له بالسلطة، وبالطبع نال شعبية زائفة، لذلك عندما نتحدث عن شعبية اليسار بقيادة خالد محيي الدين نتحدث عن قواعد لهذا الحزب في كل المحافظات والمدن والقرى وعن استقلال عن أجهزة الدولة المتسلطة، بل عن تضييق أمني وإعلامي وصل إلى حملات من المداهمة والقبض والاعتقال والتشويه الإعلامي، الذي وصل إلى نشر الأكاذيب عن الحزب وعضويته، لكننا نستطيع رصد المئات من كوادر الحزب في المحافظات والمدن والقرى مع حملات إعلامية ناجحة من «جريدة الأهالي»، لسان حال الحزب، التي كان ينتظرها الآلاف يوم الأربعاء، ما تلاه بطش ومصادرة للصحيفة بل اعتقال للصحافيين.
نستطيع ممّا تجمع لدينا من تغول للسلطة وتسلط الدولة المركزية وتوحش من مركز الحكم في مصر، عبر سنوات وعلى وجه الخصوص في تلك المراحل التي واجهوا فيها شعبية تلك الأحزاب، تكوين المعرفة، لكن لا بد أن نعترف بأنه حدث تقصير من جانب الأحزاب وقادتها في فهم المرحلة والحزب ودوره والسلوك المحافظ على تلك الشعبية، ما سهل تسرب تلك الشعبية من بين أيديها. ولنأخذ ضرب اليسار نموذجا من المرحلة الأولى في النظام الحزبي المقيد في تعدده، حينما خرجت تلك الأحزاب الثلاثة بعدما عاشت مرحلة من الوقت تحت اسم المنابر، وقد انضم إلى منبر اليسار، الذي تحول إلى حزب اليسار، أعداد هائلة من اليسار المصري الماركسي فكرا والشيوعي حركة، وكذلك أعداد هائلة من الناصريين المؤمنين بتجربة الزعيم عبد الناصر وسياساته وأفكاره.
كانوا في تلك المرحلة بالملايين من المريدين ومئات الآلاف من المقتنعين والحركيين، ورغم رفض المنبر الناصري الذي تقدم به الناصريون تحت قيادة المناضل الراحل كمال رفعت (أحد الضباط الأحرار والقيادي الاشتراكي والناصري الأبرز في تلك المرحلة)، لكن السادات رفض ذلك المنبر تحت ذريعة أنه هو الذي يكمل طريق عبد الناصر، وقد أبلغنا الراحل خالد محيي الدين عدم رغبة السادات في الموافقة على المنبر الناصري ولا الموافقة على كمال الدين رفعت، ودعانا إلى وحدة اليسار. لبى بعضنا تلك الدعوة، وكان من بين من لبى الراحل كمال رفعت وكذلك المناضل كمال أبو عيطة.
كنا قد طلبنا أن يكون كمال رفعت هو قائد الحزب حتى نضمن دخولا واسعا للناصريين لكن النافذين في منبر اليسار بقيادة خالد محيي الدين أبلغونا أن السلطة لن توافق. المهم ولد منبر يسار كبير وعالي النفوذ، وتحول بعد ذلك إلى حزب يبشر بأفكاره وببرنامجه ويتحرك. كان له كوادر تصل إلى ما يقارب عشرات الألوف وقيل حوالى مئة ألف عضو. أين ذهبوا وكيف وصل الحال بحزب «التجمع الوطني التقدمي الوحدوي» (حزب اليسار) إلى هذا الوضع؟ كيف تسربت تلك الشعبية؟ هناك ثلاثة أسباب رئيسية: مناخ التسلط الذي ولدت فيه تلك المنابر ثم الأحزاب حيث لم يكن أبدا مقبولا ولا ممكنا أن يتحرك الحزب دون اعتقالات ومصادرات لجريدته، ما أحاطه بمناخ من الخوف وخشية الانضمام إليه أو حتى الحركة باسمه لأن هناك ثمنا فوريا سوف يدفع من القبض والاعتقال وزوار الفجر والنقل من العمل وتوقيع الجزاءات الإدارية، وبالطبع عداء معلن من أجهزة الدولة لهذا الحزب ولأعضائه من الداخلية وأجهزتها إلى المحليات والمحافظين والوزارات وكل الدولة.

اختار السادات
أن يكون رمزا للوسط
حيث الاعتدال
والاتزان دائما!

السبب الثاني أن قيادات تلك الأحزاب لم تكن على قدر المرحلة وتبعاتها، فاتخذت من التكتيكات ما أصاب الشعبية، وفي بعض الأحيان تصادمت، وفي أحيان أخرى هانت، ولم تكن قادرة في أي لحظة على ممارسة تقترب من حكمة الحفاظ على شعبية الحزب وأفكاره دون الوقوع في فخ التسرب الذي حدث من جراء شدة الظرف وغياب حكمة القيادة. وقد وصل الحال أن قيادة حزب اليسار في مصر قد نظّرت وأسست لما أطلقت عليه نظرية الأسقف المنخفضة، ما أوصلها للتهادن. نتج من ذلك تعيين رئيس الحزب في مجلس الشورى واختيار عضو آخر في مجلس الشورى أيضا، وهكذا كسب الحزب عضوين في مجلس الشورى وخسر نفسه.
أمثلة عدة تؤكد لنا كيف تسربت الشعبية من الحزب منذ مولده حتى الآن، وتكشف لنا حالة جريدته وحالة الحزب في المحافظات إن وجدت... كيف كان ذلك الهدر الرهيب في تلك الشعبية التي بدأت عملاقة برغم إعطائنا أولوية لتسلط أجهزة الدولة وتأثير ذلك، وكذلك ارتكاب عدد من الممارسات التكتيكية الخطأ في مسيرة الحزب، وأخيرا غياب كفاءة القيادة لتولي قيادة المرحلة التي يمر بها الحزب في مسيرته. ومن المؤكد أن قيادة بوزن خالد محيي الدين ثم قيادة رفعت السعيد ثم سيد عبد العال تعطينا مؤشرا على تسريب شعبية الحزب من قيادة مجمعة ومناضلة إلى قيادة فصيل شيوعي متزمت... إلى قيادة سيد عبد العال.
بعد ذلك، نستطيع أن نذهب إلى «الوفد» الجديد الذي صدر بحكم قضائي أعطاه زخما شعبيا، وأكد تواصل «الوفد» القديم بتاريخه مع الجديد، وبتحديه، وجاءت على رأسه قيادة تاريخية بلا شك، وكانت على قدر المرحلة، لذلك استطاع «الوفد» أن يعبر بجدارة عن اليمين الليبرالي في مصر برغم وجود حزب يميني في السلطة هو حزب السادات. وكانت قيادة فؤاد سراج الدين قادرة على أن تجمع تحت عباءتها العائلات الوفدية القديمة، وكذلك أصحاب الثروة الجدد وأهل الليبرالية الفكرية، وكذلك بعض اليسار في الانتخابات، مثل النائب الراحل أحمد طه.
كان يحسب بفؤاد سراج الدين قدرته على قيادة ذلك الحزب الواسع والمعبر عن الآلاف. وفي لحظات كان متحديا حتى أصدر قرار بتجميد الحزب اعتراضا على سلوك تسلط السلطة في مواجهة الأحزاب. هكذا كانت تلك اللحظة تعبيرا عن شعبية حقيقية للحزب تسربت منه بعد ذلك، فلم تنجح القيادات الجديدة التي جاءت بعده وكانت من القيادات المستوفدة، فمنهم من انضم إلى طليعة الاشتراكيين ــ التنظيم السري لجمال عبد الناصر، مثل الراحل نعمان جمعة، ومن بعده جاء السيد البدوي.
كشفت تلك القيادات عن العجز عن قيادة الحزب في المرحلة، وقد ساعد سلوكها السياسي التكتيكي وتعبيرها البرنامجي عن تسرب الشعبية من بين أصابع تلك القيادات، وبعد ذلك نستطيع أن نتحدث عن «العمل الاشتراكي» الذي اختار له السادات محمود أبو وافية، عديله من حزب الرئيس، كي يكمل المؤسسين للحزب الأستاذ إبراهيم شكري، وكان وزيرا للزراعة قبل أن يجري ترسيمه قائدا للحزب.
استطاع شكري، المناضل العتيد، أن يحول لحظة الانطلاق السلبية إلى ايجابية، ويقوم بعدد من الجولات في المحافظات والمدن والقرى، ويسلك سلوك السياسي المقاتل ذي الأفق المرن حتى نجح في أن يتشكل للحزب قواعد مقاتلة وينضم إليه آلاف الكوادر التي جاءت من أفكار اشتراكية تعاونية، وبعضها ناصري، أو من الذين لم يتحملوا التضييق الفصائلي الذي مارسه قيادة التجمع آنذاك.
هكذا عشنا مع «العمل الاشتراكي» في لحظات شعبية جاءت بعد تشوهات في مولده، لكن نضالية إبراهيم شكري وحكمته وقدرته على التواصل مع الناس أوصلته إلى درجة من الشعبية حاول الراحل عادل حسين أن يحافظ عليها بتغيير في الخط السياسي للحزب، وذلك بإضافة الإسلامي محل الاشتراكي، لكن الحزب عانى الانشقاقات بعد ذلك وغلبت روح المثقف الحامل للإشكالات الفكرية على سلوك عادل حسين، القائد الحزبي، فرغم امتلاك حسين الروح البراغماتية في العمل السياسي، كما كان شكري يمتلكها، فإنه في أغلب الظن، غلبت عليه روح المفكر والمثقف أكثر من المناضل ذي الأفق المرن.