كما كان منتظراً منذ إعلان الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، مبادرته بتشكيل "حكومة وحدة"، ستواصل حكومة الحبيب الصيد مهماتها بصفة تصريف أعمال بعد سحب الثقة منها، وذلك إلى حين تحديد هوية رئيس "حكومة الوحدة الوطنية" وتركيبة الفريق الذي سيعمل معه ونيلهم الثقة من طرف البرلمان.

لكن المدة التي بقيت لرئيس الحكومة، الحبيب الصيد، وفريقه قبل تسليم السلطة لـ"حكومة الوحدة الوطنية" غير معلومة، إذ يمكن ألا تتجاوز الشهر، ليس من المستبعد أن تبقى أربعة أشهر في حدٍّ أقصى. ووفق الفصل 89 من الدستور، فإن رئيس الجمهورية يُجري في أجل عشرة أيام مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر لتكوين حكومة في أجل أقصاه شهر. وفي حال مرور أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه خمسة وأربعون يوماً وأقصاه تسعون يوماً، وهو ما يفتح فرضية بقاء حكومة الحبيب الصيد إلى ما بعد إجراء انتخابات تشريعية سابقة لأوانها إن غاب التوافق السياسي عن مشاورات "حكومة الوحدة الوطنية" في قصر الرئاسة بقرطاج.
وهذه الفرضية، أو حتى استمرار مفاوضات تشكيل الحكومة لمدة تتجاوز الشهر، تطرح إشكالية نجمت أساساً عن سحب الثقة من الحبيب الصيد وتكليف رئيس الجمهورية التونسي، في اليوم التالي على ذلك، الصيد، بمواصلته وفريقه تصريف الأعمال، إلى حين مباشرة الحكومة الجديدة مهماتها، إذ إنّ حكومة الصيد تُعَدّ دستورياً بحكم المستقيلة.

ضبابية الصلاحيات

لم تعد صلاحيات حكومة الحبيب الصيد بعد سحب الثقة منها واضحة، خاصة أن الدستور التونسي لا يتحدث عن حكومة تصريف أعمال إلا في حال شغور منصب رئيس الحكومة، ويستثني صراحة حالتي سحب الثقة أو الاستقالة. وما يزيد من تعقيد المسألة، غياب محكمة دستورية يمكن أن تحسم في المسألة، وفق الخبير الدستوري، قيس سعيد.
وفي حديث لـ"الأخبار"، يرى الخبير والأستاذ في القانون الدستوري، قيس سعيد، أن وضع الحكومة الحالي وصلاحياتها غير واضحة خاصة في غياب مؤسسة المحكمة الدستورية التي يمكن أن تبت في حدود صلاحياتها بعدما سكت عنها الدستور. ويوضح أنه من جهة لم تعد الحكومة مسؤولة أمام البرلمان الذي سحب منها الثقة، ومن جهة أخرى لا يمكن ترك البلاد في حالة فراغ ويجب الحفاظ على استمرارية الدولة.

تقسيم الصلاحيات

عند هذا المستوى، يشرح الخبير الدستوري أنّ من بين صلاحيات حكومة تصريف الأعمال ما هو "ترتيبي يومي"، من قبيل القرارات والأوامر والتعيينات التي تصدر عن رئيسها أو وزرائها. والجهة المخوّل لها بإيجاد تعريف لحكومة تصريف أعمال يومية هي المحكمة الإدارية في حالة التوجه لها باستشارة من طرف الحبيب الصيد أو في حالة التظلم لديها من قبل أحد المواطنين بدعوى تجاوز حدود السلطة في أحد القرارات الصادرة عن حكومة الصيد بعد 30 تموز/جويلية (تاريخ الجلسة التي سُحبت فيها الثقة من الحكومة من طرف 118 نائباً).
ويضيف قيس سعيّد أنّ هناك قسماً ثانياً من صلاحيات الحكومة التي تطرح إشكالاً، وهي تتمثل بتلك غير القابلة للمراجعة، كدعوة مجلس نواب الشعب إلى عقد دورة استثنائية أو إمرار مشاريع قوانين للتصديق عليها، وهنا لا يمكن البت في حدود حكومة الصيد إلا من طرف المحكمة الدستورية. ولكن تختلف الآراء بهذا الخصوص وتتعدد التأويلات، إذ خلافاً لسعيّد وما أفاد به لـ"الأخبار"، يرى الأستاذ في القانون الدستوري، جوهر بن مبارك، أن لحكومة الصيد كل الصلاحيات، كما لو أنها لم تُسحب منها الثقة.

معضلة رئيس الحكومة

يبقى أنّ العنصر المحدد لعمر حكومة تصريف الأعمال هو درجة التوافق في قصر قرطاج بين الأحزاب الـ9 والمنظمات الاجتماعية الثلاث حول اسم خليفة الحبيب الصيد، وهو ليس بالأمر الهين مع الاختلاف في الرؤى بين تلك الأطراف، وخاصة مع ضغط الوقت باعتبار إعلان قائد السبسي، منذ الكشف عن مبادرته، أن هذه المرحلة لن تتجاوز أسبوعاً، يُعلَن بعدها رئيس "حكومة الوحدة الوطنية".
الإشكال في مسألة اختيار رئيس "حكومة الوحدة" هو في تحزبه من عدمه، إذ إنّ أحزاب الائتلاف الحكومي (النهضة ونداء تونس وآفاق) تساند رؤية تتلخص في وجوب اختياره من الأغلبية البرلمانية، أي من حركة "نداء تونس". وفي هذا السياق، قال القيادي في "النهضة"، العجمي الوريمي، لـ"الأخبار"، إن اختيار تلك الشخصية يعود إلى رئيس الجمهورية، ويمكن أن يكون من "نداء تونس" لأنه الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية الأخيرة برغم تراجع عدد نوابه بسبب الاستقالات. وهو موقف سانده فيه عضو "آفاق تونس"، فوزي عبد الرحمن، في تصريح لـ"الأخبار".
وبهذا الموقف، تستند "النهضة" و"نداء تونس" و"آفاق" إلى الدستور التونسي الذي ينص على أنه إذا طرح رئيس الحكومة التصويت على مواصلة حكومته لنشاطها، وسُحبَت الثقة منه، يكلّف رئيس الجمهورية مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي الحاصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب تأليف الحكومة، وعند تجاوز الأجل أو عدم حصول تلك الحكومة على ثقة النواب، يُجري رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر تأليف حكومة في أجل أقصاه شهر.
من جهة أخرى، ترفض أحزاب المعارضة المشاركة في مشاورات "حكومة الوحدة" أن يكون رئيس الحكومة المقبلة متحزباً. وقد صرّح الأمين العام لحزب "المسار"، سمير بالطيب، في تصريح لجريدة "المغرب" أمس، بأن ترشيح متحزب لرئاسة "حكومة الوحدة" يُلغي جانب الوحدة الوطنية فيها، وتتحول مبادرة رئيس الجمهورية إلى مجرد توسيع لقاعدة الحكم لا غير، وحينها ستنسحب أحزاب المعارضة من مشاورات قرطاج.