النبيذ القديم يتمايل في الأقداح الجديدة، ومع كل حادثة طائفية لا تسكر كتب التاريخ، وتُفرغ الحقيقة.

في عهد الخليفة الفاطمي، الحاكم بأمر الله (985 ــ 1021)، أُلغيت الأعياد المسيحية وعوقب من يجاهر بها، وأُجبر مسيحيو مصر على لبس صليب وأجراس ثقيلة في رقابهم لتمييزهم، وقُتل عدد لا بأس به من أعيانهم. وفي مراحل الحكم العثماني في مصر، قبل أكثر من خمسمئة عام، أُجبر المسيحيون (الأقباط) على ارتداء زي إجباري (باللون الأزرق)، وأُجبر اليهود على ارتداء زي أصفر. ليس هذا فحسب، بل كان لزاماً على المسيحي أن يرتدي عمامة زرقاء فوق الرأس لا تكون عالية أو تقترب من عمامة المسلمين البيضاء. ولا يحق طبعاً أن يركب الأقباط الخيول ويسيروا بها في الشوارع وسط العامة.
أما في 2016 (وقت كتابة هذه السطور)، فينزل القبطي من فوق دابته في بعض القرى المصرية، احتراماً للمسلم الجالس فوق مصطبته الطينيّة، ولو كان صبياً.
التفتيش عن جذور الفتنة الطائفية يُفسّر التفريعات المشتعلة التي تظلل المشهد المصري في الأعوام الأخيرة، وآخرها ما حدث في محافظة المنيا (بلد طه حسين ولويس عوض وشادي عبد السلام). وعندما نبتعد قليلاً عن الظلّ، نكتشف أن ما قبل دولة محمد علي، كان الأقباط يدفعون الجزية والخراج، وينفذون التعليمات التي يفرضها الحاكم الأجنبي عليهم، باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية أو العاشرة، لذلك لم تكن مسألة حقوق الأقباط في السنوات الخمسين الماضية مطروحة كما الآن.
لكن لم يكن الأقباط في حال أفضل، بل كان الخلفاء والسلاطين يزجون بهم في مواجهة الفلاحين المضطهدين لجمع الضرائب على الأرض، ما جعل مهنة «الصرّاف» القبطي مادة للكراهية والتوبيخ في العقل الجمعي للفلاحين، على الوجهين القبلي والبحري. وانصرفت هذه النظرة إلى كل المسيحيين، أو الذي يطلق عليهم اسم النصارى، رغم أن طائفة هذا الصرّاف المغلوب على أمره لا يعتد بشهادتها أمام المحاكم الشرعيّة، وخاصة إذا كان النزاع مع مسلم.
لو اعتبرنا أن محمد علي هو مؤسس الدولة الحديثة في مصر ( 1805ــ 1840)، فإن هذا المفهوم المأخوذ من الرأسماليّة الغربية المتقدمة آنذاك، لم يأخذ منها سوى الروافع الاقتصادية التي تتعلق بعلاقات وبأدوات الإنتاج القائمة على الاستغلال، ثم تُركت الروافع المرتبطة ببناء حياة ديموقراطية قائمة على المساواة وفكرة المواطنة، وروِّج في ذلك الوقت لفكرة أن هذه القيم استعمارية، وليست من صميم الدين الإسلامي، ولا تناسب الناس في الشرق.
تقدمت مصر في عهد محمد علي في الناحية التنموية: الرقعة الزراعية تتسع، والمصانع تعلن عن نفسها، والمدارس الصناعية تفتح أبوابها لأبناء الفلاحين وبناتهن، والوالي يفرض نظام التجنيد الإجباري (الجهاديّة)، لكن من ناحية الحقوق القبطية لم تتحرك الأمور قيد أُنملة (الجيش المصري لم يضم قبطياً واحداً، والبعثات التي أُرسلت إلى الخارج لم تبتسم لهم). الأكيد في كل عهد الحاكم المقدوني لمصر أن غالبية المصريين (مسلمين ومسيحيين) كانوا يعانون الفقر، واستغلال الأقليّة الأجنبيّة، وطبقة الأعيان المتحالفة مع السرايا.
التحول الدراماتيكي في الأزمة الطائفية في مصر، الذي ستظهر أبعاده بعد عقود قليلة، رسمه الخديوي إسماعيل عام 1855، عندما ألغى نظام الجزية، وجنّد الأقباط في الجيش المصري، وأرسلهم في بعثات تعليمية إلى الخارج. هذه الخطوة خلقت في بداية القرن العشرين طبقة وسطى قبطية متعلمة (نخبة قبطية تشتغل في السياسة والاقتصاد بوجه أدق)، تدعمها أقلية قبطية غنيّة بعضها حاصل على لقب باشا، ويُحسبون من الأعيان، ويتصرفون كأنهم من أسرة محمد علي.
في المقابل، لم تكن علاقة الاحتلال الإنكليزي على ما يُرام مع المسيحيين المصريين، وكانت الحركة الوطنية آنذاك (بقيادة مصطفى كامل، ومحمد فريد، على التوالي)، حائط سدّ أمامه، كما كانت الحركة الناشئة نفسها حائط سدّ أمام مشاركة الأقباط وتذويب الفوارق بين عنصرَي الأمة، رغم مشاركة المسيحيين فيها، فقد اتخذ زعماؤها منحى إسلامياً، نحو ما سُمي آنذاك الجامعة الإسلاميّة، نكاية بالإنكليز.
ماذا بعد؟ قماشة الكفاح الوطني ضد الاستعمار (مسلمين ومسيحيين) تتمزّق سريعاً؛ الحزب الوطني، الذي اعترض على تعيين القبطي بطرس غالي باشا، رئيساً للوزراء عام 1908، رغم انضواء مسيحيين تحت لوائه، ضرب التقارب الوليد بين المسلمين والمسيحيين في مقتله، وعندما اغتيل بطرس غالي باشا بعد هذا التاريخ بثلاث سنوات، كنّا أمام توتر طائفي كبير انفجر في الفضاء العام.
صار الحراك الوطني يتراجع خطوات إلى الخلف، والمسيحيون يركبون القطار وينزلون في أسيوط (انعقاد المؤتمر القبطي 1911). المشاركون الغاضبون يطالبون بالمساواة في الحقوق كافة مع المسلمين المصريين. دفع المناخ المُحتقن الطرف الآخر إلى عقد المؤتمر الإسلامي في القاهرة، ليوصي برفض مطالب مؤتمر أسيوط، ويؤكد أن الإسلام هو دين الدولة.
أيضاً، رغم مشاركة الأقباط الكبيرة في ثورة 1919 وتراجع المسألة الطائفية قليلاً، لعشر سنوات على الأقل، فإن الأقباط ظلوا يعانون التمييز مع المسلمين. وبرغم توليهم وزارات عدة، فإنه حتى 2016 تقريباً، لم يصل قبطي إلى منصب وزير الداخلية أو التعليم (المعرف آنذاك)، وعانى المسيحيون أشد المعاناة من الإبقاء على الخط الهمايوني، الذي حظر بناء أو ترميم كنيسة إلا بعد صدور فرمان من السلطان العثماني.
وسط هذه الأجواء، كانت "جماعة الإخوان المسلمين" الناشئة (1927) تستخدم الدين في السياسة والدعوة، وتهاجم الأقباط الذين تعرضوا لاعتداءات كثيرة، حتى إن الملك فاروق، الراغب في أن يكون خليفة للمسلمين، دعم باستتار هذه الجماعة، التي تهزّ من ناحية أخرى شعبية حزب "الوفد" (عدوه اللدود). ظل التوتر يظهر ويخفت، حتى قامت "ثورة 23 يوليو" وألغت الملكية لتدخل الأزمة القبطية في دائرة أخرى.
في سنوات حكم عبد الناصر، لم تبرز الأزمة الطائفية (كانت تحت السطح) وانحسرت مقابل قضايا كانت أهم في تلك المرحلة: محاربة الاستعمار، والتنمية والتحديث في الداخل، والقومية العربية. ومع سقوط المشروع الناصري (1967)، برز البديل الإسلامي لتعاني الأقليّة المسيحيّة بوضوح في تواتر الأحداث حتى اليوم؛ فأحداث الخانكة (1972)، عندما حُرقت "جمعية الكتاب المقدس" وانقلب البلد رأساً على عقب، حتى إن أنور السادات اتهم الأقباط بالرغبة في تأسيس دولة مستقلة في أسيوط... كل هذا كان مقدمة لترتيبات بين السادات والإسلاميين، ليبسطوا يدهم في الجامعات والمصالح الحكومية والمناطق الشعبيّة.
وكما كان فاروق يستهدف ضرب "الوفد"، كان السادات يستهدف كسر شوكة الناصريين واليساريين. طاولت الهجمة الإسلاميّة الأقباط باعتبارهم الحلقة الأضعف. وبعد عدّة سنوات، صار يُنص في الدستور على أن الشريعة الإسلاميّة هي المصدر الرئيسي للتشريع، وذلك لخطب ود الإسلاميين.

ظهرت كيانات مسيحية موازية تؤدي أدوار الكيانات الإسلامية!

عانى الأقباط كثيراً في عهد السادات؛ البابا شنودة (توفي 2012) قال في مذكراته الشخصية: "سر غضبي مع الرئيس السادات بدأ عندما توجه إلى تدشين دولة العلم والإيمان وترجم ذلك على الأرض بقوانين بعيدة عن الروح الوطنية المصرية، وخاصة قانون الردة الذي أثار غضب الآباء الكهنة وأعضاء المجمع المقدس، الأمر الذي دفع أعضاء المجمع المقدس إلى إعلان استعدادهم لأن يدخلوا عصر استشهاد جديد من أجل الدين والثبات فيه فى حال تمرير قانون الردة".
الخلافات زادت بين شنودة والسادات لدرجة أن الأخير وضع بابا الأقباط تحت الإقامة الجبريّة وعزله، بعدما رفض البابا إرسال وفود قبطيّة إلى القدس المحتلة، وخاصة بعد توقيع معاهدة "كامب ديفيد" مع الكيان الصهيوني.
في سنوات مبارك، وحتى اندلاع "ثورة يناير" ــ 2011، صعد المد الوهابي في مصر، واتبعت الدولة اقتصاد السوق متخلية عن دورها في تقديم خدمات الصحة والتوظيف وغيرها، فظهر ما يسمى الاقتصاد الإسلامي الموازي، الذي حلّ محلّ الدولة، وزاد أتباعه في المناطق الفقيرة والصعيد. توازى ذلك مع تصاعد الأفكار الراديكاليّة الإسلامية، وتغلغل الإخوانيين والسلفيين. ماذا يفعل الأقباط إذاً؟، بدأت تظهر كيانات مسيحية موازية تتبع الكنيسة، وتؤدي أدوار الكيانات الإسلامية نفسها!
بدءاً من التسعينيات، زادت معدلات البطالة ونسب الفقر، وتكسح الفقراء (مسلمين ومسيحيين) بهراوة طبقة رجال الأعمال الغنيّة (مسلمين ومسيحيين)، ما زاد الشعور العام بالقهر، الأمر الذي ضاعف معدلات الحوادث ضد الأقباط، وخصوصاً في المناطق الشعبية والأقاليم المهمشة، كما كان نظام مبارك مستفيداً من احتقان المسلمين والأقباط، لأنه على الأقل، النيران لا تتجه إلى نوافذ قصره.
جاءت "ثورة يناير" ليُفرغ الأقباط شحنة غضبهم مع باقي المسلمين (كمصريين متساوين)، لكن أحداث ماسبيرو، وكنيسة الماريناب، زادت غضبهم وعزلتهم أكثر عن المشهد السياسي العام بعد "يناير". وبرغم مشاركتهم الواسعة في "30 يونيو" ضد حكم الرئيس الإسلامي محمد مرسي، فإن هذا لم يغيّر من أوضاعهم شيئاً، بل تظهر الأحداث الطائفية بين يوم وآخر، والكنيسة تتبع رِكاب الحاكم.
أما ما يجعل الأنظار وعدسات الكاميرات تتجه حالياً إلى محافظة بعينها، فهو قانون المصادفة فقط! إذاً، المناخ السياسي والاقتصادي، السائد حالياً، يؤشّر على أن مسببات التوتر الاجتماعي حاضرة بقوة، بين المسلمين والأقباط (الفقراء) ويصعب وقفها أو توقع ضربتها المقبلة... إلا بسقوط معجزة من السماء (ثورة شعبيّة ترسّخ مطالب المواطنة والديموقراطيّة والمساواة والعدالة الاجتماعية).