يغيب وجه الفرح عن محافظة المنيا الملقبة بـ«عروس الصعيد»، بعدما تصدرت واجهة الأحداث الطائفية الأخيرة، بصفتها أبرز الأماكن التي يتركز فيها الأقباط المصريون. مجرد التفكير في السفر إلى المحافظة يشعر قاطني العاصمة أو الساحل بالإرهاق، مع التفكير في قطع 340 كلم جنوباً من القاهرة، فضلاً عن الخوف من الذهاب إلى «ساحة الفتنة الكبرى» كما يراها الإعلام.

صحيح أن معالم الفتنة ليست غائبة، فأول ما يلاقي الوافد إلى المنيا كنائسها التي تعرضت للحرق بعد فضّ اعتصام رابعة العدوية قبل ثلاث سنوات. لكن هذا ليس شيئاً بالطبع. ولا تزال هذه الكنائس تحت الترميم، رغم تعهد القوات المسلحة تنفيذ ذلك «تقديراً للأقباط». وفيما يعرف عن الجيش سرعته في إنجاز المشاريع، لم يتحقق وعده، ووراء ذلك أسباب عدة.
بخلاف التمركز في بعض المناطق باعتبارها ذات غالبية قبطية، يمكن هنا بوضوح ملاحظة أماكن تقطنها أغلبية مسيحية مقابل استثناءات قليلة تخرق القاعدة. هذا ما يفسر قدرة الأقباط على إقامة شعائرهم في المنازل لمدة من الزمن دون أن يعلم غيرهم بالأمر، وهو أحد الأسباب الرئيسية للأحداث الأخيرة. لا كنائس مرمّمة ولا يسمح ببناء جديدة، ووسط ذلك رفض شعبي كبير برغم ارتفاع المآذن في الأماكن نفسها لعدة أمتار، وبصورة لافتة تجعل القادمين يرونها من بعيد.
ووفق الإحصاءات غير الرسمية، يعيش نحو 40% من الأقباط في المنيا وأسيوط، والمحافظتان المتجاورتان وسط الصعيد تضمان أكبر عدد من الأقباط، خاصة في مراكزهما. لكن ابتعاد المسافات بين القرى التي شهدت أحداث الفتن أخيراً لم يمنع تكرار الحالة النفسية المتوترة لدى المسلمين والأقباط في أماكن عدة. ومن السهل أن نلاحظ الحالة المكتومة من الغضب مع قليل من الابتسامات المتبادلة بين الأقباط والمسلمين في التعامل اليومي، وسط حذر يرافقه تعزيز أمني رغم التسويات العرفية الجبرية.
على رأس جدول الزيارة كانت قرية الكرم، التي شهدت واقعة تعرية سيدة قبطية مسنّة وسحلها، بسبب شائعة عن علاقة نجلها بسيدة مسلمة متزوجة. كان إنجاز الجيش لمنزل هذه السيدة المحترق والمنازل المجاورة سبباً كافياً في استعادة الاستقرار مع حضور أمني اعتيادي.
غالبية الموجودين يرفضون قطعاً عرضنا لأسمائهم، ولكنهم لا يخفون رغبتهم الكبيرة في الحديث. بعض من التقيناهم من مسلمي الكرم يقولون إن الأقباط «يستقوون بالكنيسة وقدرتها على انتزاع حقها وادعاء المظلومية». أما الأقباط، فيؤكدون أنهم يشعرون بالتهميش وإهمال حقوقهم، بل الاضطهاد على أيدي ضباط الأمن الذين لا يتعاطفون معهم ولا يعطون لبلاغاتهم أي اهتمام.
إذن، لماذا تقبلون الصلح ولا تصرون على انتزاع حقوقكم؟ يشرحون أنهم عندما يشعرون بأن حقوقهم هدرت يرفضون الإضرار بغيرهم، ويتخوفون من وصول الاحتقان إلى القرى المجاورة التي يعيش فيها أقباط. لكنهم أيضاً لا ينكرون أن في بعض القرى متعصبين من الطرفين يزيدون الأزمات اشتعالاً. عندما سردنا هذا الحديث لأحد الحاضرين من مسلمي القرية، ضحك وقال إنهم لا يرغبون أيضاً في التصعيد، لكنّ هناك «أقباطاً يفتعلون المشكلات ليحصلوا على تعويض مالي من الكنيسة... نحن أيضاً نرى أن في الأمن من يتواطأ مع الأقباط».
يزيد من بين الشباب المسلمين أحدهم، قائلاً إن «الأنبا مكاريوس (أسقف المنيا) متطرف جداً، وهو يشعل الفتن باستمرار ويرفض دوماً الحل الودي... الأقباط يرونه القادر على حل مشكلاتهم، ويحبونه لأن شخصيته قوية، لذلك يتمسكون دوماً بأن يكون المسؤول عن أسقفية المنيا وتوابعها».
رغم روايات الطرفين، ثمة عامل مشترك، هو الفقر؛ لا يختلف وضع المسلمين والأقباط داخل المنيا وقراها لجهة المعاناة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة: شباب متعطلون من العمل وآخرون يحاولون السفر وكثيرون لم يكملوا تعليمهم، والأقباط تزداد خشيتهم، كل يوم، على أبنائهم في ليبيا وتكرار سيناريو «الذبح».

تدخّل الجيش ترك أثراً إيجابياً أكثر من وزارة الداخلية

أم مريم (اسم مستعار)، سيدة قبطية في العقد الرابع، ولديها خمسة أولاد وبنات. من نبرة صوتها عن الأحداث، يمكن ملاحظة الخوف، لأن منزلها لا يبعد كثيراً عن المرأة التي تعرضت للتعري، ما يجعلها تشعر بالقلق على أبنائها. وترى أيضاً أن علاقتها الجيدة مع جيرانها المسلمين قد تتغير في أي لحظة، الأمر الذي يثير مخاوفها من أن تعيش لحظات رعب مشابهة لما حدث.
هذه المرأة تكشف أن جزءاً كبيراً من المشكلات تنتج من خلافات شخصية أولاً، غير منكرة أن العائلات القبطية تتحفظ عن الدخول في شراكة مع المسلمين إلا قليلاً، كما تكون علاقات الصداقة بين الشباب من الجهتين محصورة في الطائفة الواحدة غالباً.
على بعد عشرات الأمتار من الكرم، توجد قرية قبطية بالكامل، وهي التي خشي الأمن تدخل أهلها للدفاع عن الأقباط في الكرم. لكن المسلمين يؤكدون أن إعادة بناء منازل الأقباط وتعويضهم مادياً على يد الجيش هي السبب في احتواء الفتنة، لا إجراءات وزارة الداخلية.
كيرُلُّس، وهو شاب أتمّ عامه العشرين قبل شهور، يسأل عن محاكمة أي من مرتبكي الفتنة الطائفية في المنيا كدلالة على انحياز الدولة. لكن علي، وهو شاب من عمره تقريباً، يرى أن المحاكمة تزيد الأمور تعقيداً وتبقي الضغائن بين أبناء البلد الذين يضطرون إلى المعايشة اليومية. حديث الاثنين معنا جاء ضمن نقاش مع أكثر من 15 شاباً في أحد مقاهي القرية، لكن صاحبه ما إن انتبه إلينا حتى طلب وقف الحديث في السياسة.
يرى بعض كبار العمر أن الحل يبدأ من «الوحدة الوطنية»، خاصة أن أجيالهم تربوا على التربية الدينية في الكنيسة أو المسجد، كذلك يتهمون الإعلام بأنه يضخم الأمر دوماً. ولا نكاد نجد في الكرم منازل تضع الصليب إلا وسط المنازل الموجودة في حيّ قبطي، أما التي تجاور المسلمين، فثمة عليها إشارات بسيطة لهويتها القبطية.
انتقلنا بعيداً إلى قرية كوم اللفي، التي تبعد نحو 30 كلم عن الكرم، حيث وقعت اشتباكات أخرى بين مسلمين وأقباط بسبب مبنى كان يرغب أحد الأقباط في بنائه كدار خدمات تابع للكنيسة. صحيح أن لا أحد يعرف كيف انتشر الخبر وتحول إلى محطّ أنظار أبناء القرى المجاورة، ثم اهتمام الشباب بقضيته في خلال ساعات، ولكن جرجس، وهو موظف حكومي من أبناء كوم اللفي، يرجع المشكلة إلى حالة البطالة المتفشية بين الشباب، الأمر الذي يجعلهم عرضة للاستجابة للتحريض.
جرجس، الذي تزوج قبل شهور قليلة، يقول إن عدداً من الأقباط لا يستطيعون الذهاب إلى الكنائس بسبب بعدها عن منازلهم، وذلك على العكس من المسلمين. ويرى أن هذا الأمر لم يعد منطقياً في زمن الإنترنت والتكنولوجيا، لذلك يطالب بحملات توعية يشرف عليها الأزهر. كذلك يرى أن بناء كنيسة ليس صعباً، لكن ما يعقّد الموضوع رفض المتشددين من المسلمين للأمر، وليس كلهم.
هذا الرأي لا يختلف عن آراء كثيرين لا يحمّلون المسلمين عامة المسؤولية عن المشكلة. لكن بعض الشباب الذين كانوا في مقهى الكرم، قالوا إن محاولة انتزاع كنيسة وسط مساكن المسلمين أمر صعب تقبّله، حتى لو كانت ملكية الأرض مسيحية.
تواصلنا هاتفياً مع الأنبا مكاريوس الذي اتهمه بعض الشباب بالتعصب، فقال إن أحداث الفتن «يكون الأقباط فيها ضحية، وغياب القانون ومحاولات المصالحة السريعة دون ضبط الجناة تقتل العدالة». ويؤكد رجل الدين أنه لا يسعى إلا إلى تطبيق القانون، وأن رفضه تدخل مسؤولي «بيت العائلة» في أزمة الكرم كان نتيجة «التدخل الذي يأتي على حساب الضحية ولمصلحة الجاني... مشكلة ذلك أن الجاني يتشجع على ارتكاب المزيد من الجرائم».
ويكتفي مكاريوس بتأكيد أن «تطبيق القانون العادل وتسهيل بناء الكنائس سيحلان المشكلة، ليس في المنيا وحدها، بل في كل مصر».