كثيرون يكتبون عنها «إمارة المنيا»، «عروس الصعيد». نشأت وترعرعت فيها، منياوي وأفتخر. إذا سرت على كورنيش النيل فيها كأنك في الإسكندرية. لو تجولت في أحياء مثل «أرض سلطان» «شلبي»، تشعر بأنك في مصر الجديدة، وإن سهرت في فنادقها وكافيهاتها تعتقد أنك في المهندسين والزمالك!

حينما تزور القرى والنجوع والعزب التي تشتعل بالأحداث في الوقت الراهن، سيكون لك رأي آخر (المنيا 1241 قرية ونجع والأحداث تتكرر في 42 منها فقط).
فيها كل العصور الأثرية، وغير مدرجة على الخريطة السياحية. المنيا «أرض التطرف والسياحة»!
أكبر تجمّع مسيحي في الشرق الأوسط (في المنيا ما يقارب ستة ملايين مواطن، 35% منهم مسيحيون، أي أكثر من مليوني مسيحي)، وترتفع حيازات المسيحيين وممتلكاتهم من الثروة المنياوية إلى أكثر من 35%، وفيها نحو خمسة آلاف مسجد وزاوية، و611 كنيسة.
نشأت فيها أفكار التكفير القطبية على يد شكري مصطفى في أبو قرقاص منذ نهاية الستينيات، وأُدينت جماعته (التكفير والهجرة) باغتيال الشيخ الذهبي (وزير الأوقاف عام 1979 في محاكمة عسكرية وانتهت بحكم الإعدام شنقاً لخمسة من المتهمين، كان منهم مصطفى.
منذ 1978 حتى الآن، مرت بثلاث مراحل: 1978 - 1981 كانت الجماعة متسيّدة الإرهاب، وبعد مقتل الرئيس أنور السادات تقهقرت الجماعة من أسيوط إلى المنيا، لأن قادتها الأكثر عنفاً ـ حينذاك من المنيا ـ عاصم عبد الماجد، كرم زهدي، فؤاد الدواليبي وآخرون.
أُعيد التأسيس الثاني للجماعة في المنيا، وسيطروا عبر مسجد الرحمن في جنوب المدينة (تحول حيّ أبو هلال إلى حيّ مكة) وكانوا يطبّقون الحدود «عيني عينك» ويفرضون الجزية حتى 1990، لتبدأ المرحلة الثالثة من 1990 حتى المراجعات.
في التسعينيات، بدأ «الإخوان المسلمون» يستقطبون بعض قادة الجماعة مثل محيي الدين أحمد عيسى والمهندس أبو العلا ماضي وغيرهما، لتبدأ مرحلة «الإخوان».
آنذاك، ظهر نجم سعد الكتاتني الذي صار نائب الدائرة، وصولاً إلى ثورة «25 يناير»، وتحالف «الإخوان» والسلفيين والجماعة وحصولهم على 80% تقريباً من الأصوات، وحيازة محمد مرسي 78% من أصوات الناخبين في المنيا، وتوغلهم واستيلائهم على الكثير من المناصب والنقابات...
بعد فضّ اعتصامات رابعة والنهضة، بلغت خسائر الوطن في المنيا 80% من محاكم وأقسام ومؤسسات الدولة، ومُثِّل بأجساد ضباط الشرطة وأفرادها في سمالوط ومطاي، وبلغت نسبة خسائر الأقباط أيضاً 70% من الكنائس التي حرقت ونهبت، وبعد ذلك بلغت أحداث العنف «الطائفي» (77 حادثاً من كانون الثاني 2014 حتى الآن)، بمعدل حادث كل 12 يوماً تقريباً!
إذا كان أنور السادات قد شرعن وجود الجماعة غير المشروع على هامش المجتمع المدني، فإن عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك قد أدى إلى تمكين الجماعة سياسياً من طريق عقد الصفقات المتبادلة بين النظام والجماعة، مثل صفقة دخول 88 عضواً من جماعة «الإخوان» إلى البرلمان 2005، التي اعترف بها قيادات «الإخوان» في أكثر من حوار معلن.
على الصعيد الاقتصادي، ووفقاً لقضايا غسل الأموال فقط، بلغت الأموال المغسولة مليارات. وقد سيطر «الإخوان» على %55 من تجارة العملة، و%21 من تجارة التجزئة.
وعلى صعيد المجتمع الأهلي، ارتفعت نسبة الجمعيات والمؤسسات الأهلية «الإخوانية» في عصر مبارك من %2 إلى %12 من العدد الكلي للجمعيات في مصر، علماً بأن الجمعيات الإسلامية، وفقاً لتقديرات «التضامن الاجتماعي» هي %21، والمسيحية %9، والقانون لا يسمح بالعمل في الدين أو السياسة!
يضاف إلى ذلك أن الجمعيات الدينية الإسلامية حصلت على أكثر من %28 من التمويلات الأجنبية الممنوحة للجمعيات فى التسعينيات.
في المنيا فقط 30% من جمعيات «الإخوان» ومعاهد السلفيين، وإن كان «الإخوان» قد استحوذوا على الوظائف الحيوية، فإن منابر السلفيين ومعاهدهم خلقت ثقافة تكفير الأقباط وفتاوى «عدم جواز بناء الكنائس فى ديار الإسلام».

* باحث وصحافي مصري