بدأت نتائج زيارة وفد صندوق النقد الدولي إلى مصر، التي بدأت السبت الماضي وتستغرق أسبوعين، تتضح شيئاً فشيئاً. لا فأل خير كما تبشر القاهرة؛ فبخلاف طلب الصندوق تقنين التعيينات (التوظيف) الحكومية لدرجة تصل إلى وقفها، وتعديل قوانين التقاعد بما يسمح بخروج نحو مليوني موظف (من أصل ثمانية ملايين) من العمل في أقرب فرصة، ثمة شروط أخرى قد تفجر الموقف، خاصة رفع الدعم (الحكومي) عن المواد البترولية والكهرباء والمياه والسلع التموينية، فضلاً عن خفض معدلات الدين الداخلي.

تبدو شروط «النقد الدولي» صعبة للغاية على الحكومة المصرية، التي أمامها عقبات يتوقع أن تؤثر في شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي وقدرة مؤيديه على تبريرها، خاصة أن تحريك أسعار البترول والكهرباء والمياه سيؤدي إلى موجة رفع أسعار لاحقة لا يمكن توقع حدها الأقصى.
بجانب ذلك، استطاع السيسي تجاوز الغضب العمالي المكتوم من إمرار قانون الخدمة المدنية عبر البرلمان، وهو قانون يرى العمال فيه إهداراً لحقوقهم بعدما اكتفى بتحديد نسبة زيادة سنوية هي 7%، في وقت وصلت فيه الزيادة بخلال الأشهر الستة الأخيرة على أسعار السلع إلى أكثر من 40% جراء انخفاض قيمة الجنيه أمام العملة الأميركية، فماذا عن الشروط المتعلقة بقانون تقاعد مبكر سيحيل 25% من موظفي الدولة على بيوتهم برواتب أقل.
وفد الصندوق وضع شروطاً صعبة على الحكومة في ما يتعلق بتوفير العملة الأجنبية داخل البنوك، وطلب خفض قيمة الجنيه بأكثر من 30% ليصل إلى قيمته الحقيقة بالسوق من أجل توفير العملة الصعبة وتبادل الجنيه داخل مصر وخارجها بسعر ثابت، وهو الشرط الذي ترفضه الحكومة حتى الآن، علماً بأن الوفد وافق على مطلب مصري بأن يكون الخفض تدريجياً، شرط إجراء أول خفض قبل صرف الشريحة الأولى من القرض.
إلى الآن، لا موعد واضحاً حول هذه الشريحة التي رهنها «النقد الدولي» بقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات، والتعهد بتنفيذ إصلاحات أخرى في خلال السنوات المقبلة، علماً بأن قيمة الـ12 مليار دولار التي طلبتها القاهرة لا تزال محل تفاوض من مسؤولي الوفد، الذين يرون أن القيمة المرتفعة للقرض وسرعة صرف دفعته الأولى خلال الأشهر المقبلة يجب أن يصحبا بإجراءات اقتصادية صعبة تضمن منع تكرار الأخطاء الحكومية، خاصة المرتبطة بالدعم ومنحه لشرائح لا تستحقه.
يقول مصدر رئاسي لـ«الأخبار»، إن «الصندوق وافق على منح مصر فائدة 1.5% على قيمة القرض، وهي أقل نسبة يمكن قبولها. نرى تفهماً كبيراً من الصندوق لطبيعة الظروف المصرية ونتوقع تحسناً تدريجياً في الأداء الاقتصادي، لكن ذلك مرتبط بتحسن الظروف السياحية التي يمكن أن توفر دخلاً كبيراً من العملة الصعبة، خاصة أن الشهور الماضية شهدت ركوداً غير مسبوق، وجعلتنا نصل إلى مستوى كنا لا نتوقعه».
يضيف المصدر أن نتيجة رفض القرض حالياً ستكون كارثية على الجميع، لأن ذلك «نتاج سنوات تأخر فيها تطبيق إجراءات الإصلاح الاقتصادي وترحيلها من حكومة إلى أخرى»، مشيراً إلى أن ثمة تقارير رسمية عن ردّ الفعل المتوقع في الشارع «سنرجع إليه قبل تطبيق أي إجراءات قاسية».
وكان الرئيس المصري قد قال في ظهوره الأخير إعلامياً مع مجموعة من الشباب بما معناه أن «من لديه دولار يجب أن يسارع إلى استبداله من البنك»، لكنه كان تصريحاً أثار السخرية، في ظل تجاوز الفارق بين السعر الرسمي غير المتوافر السيولة، والسعر في السوق الموازية، وهو فارق تجاوز حاجز أربعة جنيهات.
ولا يزال البنك المركزي في عطائه الأسبوعي يوم أمس، مستقراً على سعر الصرف السابق وسط ترقب لموعد تغيير السعر الرسمي، الذي يقول مسؤولون في «المركزي» إنه سيكون مفاجئاً للجميع، وذلك لمعاقبة شركات الصرافة التي تحمّلها الدولة مسؤولية ارتفاع سعر الصرف، وهو ما سبّب إغلاق عشر شركات صرافة لمدة عام بتهمة «التلاعب في الأسعار».
ويوم أمس، عقد السيسي اجتماعين: الأول مع رئيس «هيئة قناة السويس» مهاب مميش، من أجل مناقشة إيرادات قناة السويس والاحتفال بالذكرى الأولى للتفريعة الجديدة الأسبوع المقبل، بالإضافة إلى مناقشة «الآثار الاقتصادية السلبية بسبب تطوير قناة بنما (أميركا الجنوبية) أخيراً، والاجتماع الثاني عرض فيه مع رئيس الحكومة، شريف إسماعيل، أسماء الشركات التي ستطرح طرحها في البورصة ضمن خطة الحكومة لطرح الشركات الرابحة في البورصة لضمان عائد جيد ضمن خطة «الخصخصة الحديثة» التي وافق عليها الرئيس.
عموماً، لا تجد الحكومة في القرض الدولي منقذاً وحيداً من الأزمة الحالية، لأنها تعلن عزمها على طرح سندات دولارية في الخارج بقيمة أكثر من ثلاثة مليارات، بالإضافة إلى التوسع في طرح أراضٍ للمصريين في الخارج من أجل الحصول على العملة الصعبة.
أما مجلس النواب، فلا يزال مصرّاً على الغياب عن المشهد، مع أنه قد يكون عائقاً في إمرار الموافقة على القرض الدولي ضمن حقه الدستوري في الاعتراض، ولكن التجارب السابقة بيّنت أن الكتلة النيابية الأكبر رهن رغبة الرئاسة. ويكفي لتأكيد ذلك معرفة أن بعض النواب اقترحوا منح الجنسية المصرية للعرب (الخليج) مقابل مبالغ مالية تسدد بالعملة الأجنبية.