لم تنته حالة الشدّ والجذب في العلاقة بين الرئاسة المصرية ومؤسسة «الأزهر الشريف» رغم اصطفافهما في خندق سياسي واحد، داخليا وخارجيا. المشكلة بدأت من اللحظة التي وجّه فيها عبد الفتاح السيسي، النقد إلى الخطاب الديني وشيوخ الأزهر، محمّلا إياهم المسؤولية عن انحدار مستوى التدين في الشارع المصري، وانتشار الإرهاب والتطرف في المنطقة، وذلك في تهرّب واضح من نتائج سياسات الرجل وعجز الجيش عن الحسم في سيناء وخارجها، أو كأنّ مفتاح الاحتواء بيد الأزهر ولا يفعل الأخير شيئا.

وبعدما هدأ صراع الأجنحة قليلا بين وزارة الأوقاف والأزهر ودار الإفتاء، تجدد الخلاف بسبب قضية «الخطبة الموحدة» التي أطلقتها «الأوقاف»، والدعم الخفي وغير المعلن من السلطة (الأجهزة الأمنية) لهذه الخطوة، على حساب الأزهر. وأصرّت الوزارة على تعميم خطبة مكتوبة على الأئمة، السلفيين والرسميين والأزهريين وكل من يصعد منبرا في الجمهورية، ما تسبب في اشتباك إعلامي بين المؤسستين خرج إلى وسائل الإعلام ببيانات وبيانات مضادة.
جراء ذلك، صدرت توصية رئاسية شفهية، كما تقول مصادر من داخل الأزهر، بوقف الاشتباك القائم، وأخيرا رضوخ الأزهر لـ«الأوقاف» في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الخطاب الديني المصري. ورغم ما حُكي عن تعميم خطبة مكتوبة أو مضمون خطبة لتخفيف الجدل، فإن ما دعّم موقف الوزارة هي الأجهزة الأمنية التي ترغب في السيطرة على المساجد.

غضِب الطيب لمسارعة السيسي للقاء تواضروس من دون الاهتمام بالأزهر

بعد هذا كلّه، جاء لقاء السيسي مع شيخ الأزهر، أحمد الطيب، فيما اكتفت السلطة ببيان الرئاسة الذي تضمن كلاما بروتوكوليا وتقليديا مألوفا. لكن مصادر من داخل الأزهر توضح أن الطيب غضب كثيرا حينما لمس حرص السيسي على احتواء مشكلة الأقباط ولقائه الأخير بالبابا تواضروس الثاني في سبيل ذلك، مقارنة بطريقة التعاطي مع مشكلات الأزهر واعتراضاته، رغم أن لقاء البابا والرئيس كان لقاء ملحا على ضوء كبر الأزمة وتحرك الأقباط في الخارج، فضلا على أن البيروقراطية المصرية قضت بأن الرئاسة وحدها هي التي تتعاطى مع ملف الأقباط بعيدا عن الحكومة.
وعادة، يتمترس السيسي بالمؤسسات الدينية في رسالة إلى الخارج مفادها بأن السلطة قائمة على رضى جماعي، فيما يأتي اللقاء غير المعلن والمفاجئ في إطار حرص السيسي على كسب الأزهر في صفه دوما، لكن وزير الأوقاف، محمد مختار جمعة، الذي استمر في منصبه رغم التعديلات الحكومية المتتالية، يستمد قوته من الأجهزة الأمنية، وخاصة «الأمن الوطني»، الذي لا تخفى حاجته إلى السيطرة على الخطاب الديني. والمصادر نفسها قالت إن السيسي استمع من مشيخة الأزهر إلى انتقادات جمة بحق وزير الأوقاف، كما شدد الطيب على أن الأزهر يجب أن يبقى «المؤسسة الوحيدة المسؤولة عن الخطاب الديني في مصر».
المصادر الأزهرية ذكرت أن السيسي بادل الطيب الثناء على الأزهر، كما حمّله مهمات «دعوة المواطنين وتجديد الخطاب الديني، وألا يلتفت إلى مناوشات الأوقاف الإعلامية»؛ وانحياز السيسي إلى الأزهر في هذه المرحلة، هي نتيجة طبيعية لحاجة الرئاسة إلى مؤسسة دينية «جامعة»، وخاصة أن مراقبين كثيرين يرون أزمة كبيرة سيقبل عليها النظام جراء القرارات الاقتصادية الوشيكة، وأهمية الخطاب الديني في التصدي لأي اعتراض شعبي، وخاصة رفع الدعم عن الخدمات والسلع الأساسية.
ويكفي من خطباء الأزهر حثّ الناس على الصبر فيما تستمر «إصلاحات السيسي»، فضلا عن تكرار أن القاهرة تمر بظروف صعبة وعلى الجميع التكاتف خلف الرئيس. وما يزيد فرص نجاح ذلك هو مكانة الأزهر في قلوب المصريين، والتحاق مئات الآلاف من الطلاب بمعاهد الأزهر وبجامعته، ما يجعل خطابه حاضرا. هذا ما يذهب إليه أسامة الهتيمي، وهو باحث في الملف الديني، قائلاً إن «السيسي يدرك أن الأوقاف ليس لها دور جوهري سوى تنفيذ مطالب جهاز الأمن الوطني لضمان السيطرة على المساجد، ولكن الأزهر ذو قدرة أكبر على الوصول إلى الشارع».
وبرغم التأثير السلبي لخلافات «الأوقاف» والأزهر في الشارع، وفقدان جزء من الرأي العام للثقة بالمؤسسات الدينية في ظل اعتبار معارضي السيسي المؤسستين من أهم المؤسسات التي شاركت في إطاحة محمد مرسي من الحكم، فإن أستاذ الأدب في جامعة قطر رضوان منيسي، يرى أن هذا الصراع نتاج طبيعي في ظل حرص المؤسستين على التقرب إلى السلطة على حساب الخطاب الديني.
ويلفت منيسي، وهو مصري مقيم في قطر، إلى أن الخلاف ليس على تجديد الخطاب الديني وتقديم آليات متطورة للخطباء أو تحسين مستواهم الفكري والثقافي أو حتى اللغوي، إنما الخلاف برمته حول من يتقرب أكثر إلى السلطة.
وبطبيعة الحال، ينحاز علماء الأزهر إلى مؤسستهم في صراعها مع «الأوقاف»، وهو ما شدد عليه أستاذ الفقه في الأزهر، أحمد كريمة، الذي ذكر أن هذا الصراع قديم، ومعلنا اصطفافه إلى جانب الأزهر في مواجهة الخطبة المكتوبة والموحدة.