تبدو احتمالات الرفض المصري لقرض صندوق النقد الدولي هذه المرة هي الأصعب. فرغم أن جولات الصندوق ومفاوضاته مع الحكومات المتعاقبة منذ «ثورة 25 يناير» مستمرة على مدار أكثر من خمس سنوات، فإن الأسبوعين الجاريين زادا الفرصة لحصول القاهرة على القرض، ليس بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، بل لأن القيمة هي الأكبر مقارنة بالمفاوضات الماضية.

وكانت المفاوضات على القرض قد تمحورت حول ثلاثة مليارات دولار بعد إطاحة نظام حسني مبارك، ثم وصلت إلى ستة مليارات في نهاية حكم «جماعة الإخوان المسلمون»، إلى أن توقفت كلياً في السنوات الثلاثة الماضية، والآن وصلت إلى 12 مليار دولار.
المشكلة أن الحكومة لا تبدو قادرة على التعامل مع الأزمة الاقتصادية من دون القرض، بعد إخفاقها في الحصول على مساعدات خليجية، وهي تحتاج للعام المالي الجاري إلى أكثر من عشرة مليارات دولار. هذا المبلغ كانت تأمل القاهرة أن تحصل على 40% منه عبر قرض «النقد الدولي»، إضافة إلى ثلاثة مليارات أخرى عن طريق طرح سندات دولية، فيما ستحصل على الباقي عبر طرح شركات وبنوك مصرية رابحة في البورصة.

التضخّم الوظيفي زاد بعد «ثورة يناير» خاصة في قطاعات الأمن

وفي ظل أزمة العملة الصعبة المستمرة، يفسر البنك المركزي تراجع العائدات الدولارية في الوقت الراهن بلجوء المواطنين إلى استبدالهم أموالهم في السوق الموازية، إضافة إلى تراجع عائدات السياحة، مدافعاً بأنه حاول توفير الدولار للشركات وللمستثمرين وللجهات الحكومية من أجل تلبية عملية استيراد السلع التي ضغطت على الاحتياطي بقوة بسبب توقف الصناعات المحلية وتعطل الاستثمارات المباشرة، في ظل مشكلات قانونية وتباطؤ نمو الاقتصاد العالمي.
ووفق تقرير رسمي سلمه «المركزي» إلى البرلمان، يوم أمس، فإن مصر حصلت على 29 مليار دولار كمساعدات مالية، أكبرها ثمانية مليارات من السعودية وستة من الإمارات وخمسة مليارات من الكويت، فيما تلقّت مساعدات قيمتها ثمانية مليارات من قطر، غالبيتها خلال حكم الرئيس الإسلامي محمد مرسي، لكن الدوحة استعادت الجزء الخاص بالودائع منها.
في السياق، قال مصدر حكومي لـ«الأخبار» إن الحكومة ترى في القرض «فرصة جيدة لترويج السندات الدولارية بالإضافة إلى جذب الاستثمار الأجنبي»، مشيراً إلى أن الجنيه المصري ستتدنى قيمته مقابل الدولار إلى النصف، مقارنة مع سعر الصرف الحالي، إذا لم تحصل القاهرة على القرض خلال الشهور المقبلة، وستكون لذلك «عواقب وخيمة» على الاقتصاد بصورة لا يمكن تحمّل تبعاتها، وقد تؤدي إلى خلق الفوضى.
وأضاف المصدر أن القرض من جهة أخرى يعطي «شهادة ثقة» يحتاج إليها الاقتصاد المصري بقوة، في ظل المشروعات المزمع إقامتها في محور قناة السويس. كذلك لفت إلى أن الإجراءات الاقتصادية التي ستتخذها الحكومة قريباً (مثل رفع الدعم الرسمي عن الأسر) كان يفترض فعلها في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك بعد انتخابات عام 2011.
المصدر نفسه دافع عن الإجراءات المقبلة بالقول إنه «ليس من المقبول أن يحصل ملاك القصور والمنتجعات السياحية على سعر المياه بالسعر الذي تحصل عليه الأسر الفقيرة... التحريك التدريجي لرفع الدعم سيخفف ميزانية الدولة إلى جانب تقنين التعيينات في الوظائف الحكومية ووضع معايير لها تضمن أن يكون الملتحقون بالجهاز الحكومي أشخاص مؤهلون بالفعل وهناك حاجة ماسة إلى تعيينهم».
وكانت الحكومات المتعاقبة بعد «ثورة يناير» قد عيّنت عشرات الآلاف في وظائف جديدة، غالبيتهم كانوا بعقود مؤقتة، وصارت الحكومة مسؤولة عنهم الآن ولا يمكن تسريحهم، رغم «قلة الحاجة» إليهم وتغيّب كثيرين منهم عن الدوام، وفق المصدر الحكومي.
في غضون ذلك، يرى الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق، أن الحكومة «ستحصل على القرض من صندوق النقد لكونها بدأت بالفعل بتنفيذ ما يريده الصندوق من إجراءات اقتصادية كمسألة رفع الدعم»، لافتاً إلى أن المسألة صارت «قضية وقت».
وأضاف فاروق، في حديث إلى مراسل «الأخبار»، أن «الحكومة تتبع سياسات تضرّ الاقتصاد بسبب سياسة الاقتراض لحل المشكلات من دون تحديد آلية تسديد القروض، مع وصول الدين العام إلى مستويات قياسية، ما سيدخل الأجيال المقبلة في دوامة ديون لن تنتهي مقابل حلول لحظية... بانتظار استعادة الحركة السياحية أو ارتفاع عائدات قناة السويس».