أحدث إعلان المجلس السياسي الأعلى من قبل حركة «أنصار الله» و«المؤتمر الشعبي العام» صدمةً لتوجهات السعودية وحلفائها الخليجيين واليمنيين ضمن المسار السياسي الذين يرغبون في مواصلة رسمه. وبغض النظر عن المقصد الرئيسي للطرفين من إعلان المجلس الذي جرى تأجيل إعلان تشكيلته بعد تحديد يوم أمس موعداً لذلك، ظهرت تلك «الصدمة» في ردود الفعل العنيفة من قبل الأطراف الموالية للسعودية.

وتوضح الردود التي جاءت من أعلى المستويات الرسمية والإعلامية مستوى الإرباك الذي وقعت فيه تلك الجهات. ففيما أكد مجلس الوزراء السعودي أن ما أقدم عليه من سماهم «الحوثيين وأتباع علي عبدالله صالح» بعقد اتفاق بينهما لتشكيل مجلس سياسي في الجمهورية اليمنية، «يعد خطوة لوضع العراقيل أمام التوصل إلى اتفاق سياسي ينهي معاناة الشعب اليمني، وخرقاً واضحاً لقرارات جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وقرار مجلس الأمن الدولي 2216 والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني الشامل».
لكن، على الرغم من الردود السعودية المعارضة للاتفاق السياسي، سارعت الرياض إلى إرسال وفد سياسي وعسكري برئاسة السفير السعودي في اليمن محمد آل جابر إلى الكويت، بدأ على الفور بإجراء مفاوضات مع وفد صنعاء من أجل تجديد الهدنة بين الطرفين على جانبي الحدود، حيث يسعى الجانب السعودي إلى تحييد المناطق الحدودية وادعاء نأي بلاده عن الصراع الداخلي، بالرغم من تقديم الطيران السعودي الإسناد الجوي لبعض حلفائه في معارك الجبهات الداخلية.
كذلك، اعتبر المتحدث باسم القوات السعودية أحمد عسيري، أن حملات «أنصار الله» على الحدود ليس لها أي هدف عسكري، مضيفاً أن الحدود خط أحمر «لن نقبل بأي مساس لها»، كما أوضح أن بلاده لن تكون طرفاً في أي حوار داخلي وأن بلاده ليست في المعادلة الداخلية اليمنية.
من جهته، جدد وفد صنعاء الذي يمثل حركة «أنصار الله» وحزب «المؤتمر الشعبي العام»، تمسكه بحل شامل للأزمة في اليمن، رافضاً الحلول المجزأة مثل ما تضمنه مقترح المبعوث الدولي اسماعيل ولد الشيخ الذي تطرّق إلى الملف العسكري والأمني، متجاهلاً الملف السياسي وتشكيل سلطة تنفيذية انتقالية تدير الملفات الأخرى.
في المقابل، يبدو وفد «الشرعية» الذي يمثل حكومة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، قد تعوّد على «الحرد السياسي» وقطع المفاوضات في الكثير من المرات، ثم العودة إليها بعد تعرضه لضغوط سياسية ودبلوماسية وافتضاح هذا الأسلوب من قبل وفد صنعاء. وعلى المنوال نفسه، أعلن الوفد عودته مساء أمس، لـ«توديع وشكر» الكويت على استضافة المحادثات اليمنية.
وظهرت ردة فعل وفد الرياض «الهستيرية» على إعلان «المجلس السياسي الأعلى»، تبعها تلقائياً مواقف متشددة، وقرر الانسحاب النهائي من المشاورات ثم اقتصر سلوك الوفد على إعلان العودة إلى الرياض بغرض «التشاور مع هادي». وبرغم تأكيد رئيس وفد الرياض عبد الملك المخلافي الاستمرار في المحادثات بعد ضغوط دولية، عاد الوفد ليعلن إنهاء المفاوضات أمس. إلا أن هذا الإعلان قد يكون غير نهائي أيضاً، وقد يُعلن عن جولة مقبلة من المفاوضات إذا جرى فعلاً تعليق هذه الجولة.
الإرباك والضياع الذي يطغى على سلوك وفد الرياض يأتي بسبب عدم وجود رؤية استراتيجية تفاوضية، وخلو جعبته التفاوضية من أوراق القوة، ما يجبره على البحث عن ألاعيب سياسية أصبحت ممجوجة وتكرارها أفقدها القيمة السياسية والعملية.
من جانب آخر، أظهرت ردود الفعل الدولية اللاحقة أن المفاوضات هي مطلب غربي ودولي، وليس بمقدرة الأطراف المحلية والإقليمية التخلي عنها، وأن المسار السياسي ملزِم، وحدوده في الوقت الحالي استمرار المفاوضات حتى ولو لم تصل الى نتيجة.
إعلان الاتفاق السياسي في صنعاء، اعتُبر حدثاً اضطُر الدول النافذة، ولا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا إلى إعادة تأكيد التوجهات والمواقف السابقة حول ضرورة استمرار المسار السياسي، ومعلوم أن الرياض والموالين لها في اليمن لن يخرجوا من عباءة هذه التوجهات.