تثير التسوية التي وقعها رجل الأعمال المصري الهارب حسين سالم مع «جهاز الكسب غير المشروع»، تساؤلات عدة عن صيغة تقدير ثروته وسبب احتفاظه بنحو ثلثها برغم تربحه للأموال بطريقة غير مشروعة، وثبوت ذلك قضائياً، فضلاً عن انخفاض قيمة التسوية مقارنة بالغرامات المالية التي وقعت عليه قضائياً، وأبرزها الحكم بتغريمه أربعة مليارات دولار (36 مليار جنيه) في قضية تسهيل تصدير الغاز لإسرائيل بأسعار متدنية.

صحيح أن الحكم بـ36 مليار جنيه ألغي لاحقا، ولا تزال بعض القضايا المتهم فيها سالم منظورة جنائياً أمام القضاء، لكن اكتفاء الحكومة بتحصيل أقل من 5.5 مليارات جنيه فقط (باعتبار أن ثروة سالم تصل إلى ثمانية مليارات جنيه)، يطرح تساؤلات عن التسوية، برغم أنها الاضخم في تاريخ الجهاز.
وما يزيد الالتباس أن رجل الأعمال هارب إلى إسبانيا منذ «ثورة 25 يناير»، وحقق ثروة كبيرة وزعها في عدد من بلاد العالم بسبب قربه الشديد من الرئيس الأسبق حسني مبارك وتعاونه مع الاستخبارات في عدة مشروعات، إضافة إلى تأسيسه مشاريع سياحية عدة في شرم الشيخ وابتعاده عن الضوء.
سالم، الذي يقول إنه يريد العودة إلى مصر، جرت محاولات عدة سابقة للقبض عليه وملاحقته، لكن حصوله على الجنسية الإسبانية حال دون ذلك.
والآن، ينص اتفاق التسوية الذي أبرمه محاميه مع الجهاز بعد إقرار قانون التصالح في قضايا الفساد، على أن تؤول ملكية أي ممتلكات أو أرصدة لم يقدمها سالم إلى الحكومة إذا ظهرت خلال عشر سنوات بالكامل إلى جيب الدولة، وهو الشرط الذي ترى فيه الحكومة فرصة جيدة لتتبع أي أموال أو مشروعات لم يكشف عنها.
«الأخبار» علمت من مصدر قضائي أن قيمة تسوية سالم، التي وافق عليها الجهاز، يرى القائمون عليها أنها «أفضل الممكن» في ظل الأزمة الاقتصادية الكبيرة، مقابل العجز عن استرداد أي أموال منه، في ظل أن الدولة لم تستطع استرداد أي أموال مهربة بسبب تعقد الإجراءات القانونية وصورتها في الخارج.

اقتصرت التسوية مع رجل الأعمال الهارب على ثلثي ثروته

وأضاف المصدر: «الظروف اختلفت الآن وقناعات المسؤولين تغيرت، وهناك ضرورة للحصول على أكثر أموال ممكنة بدلاً عن السجن، وهو ما ستتبعه قرارات تصالح أخرى مع أشخاص آخرين».
المصدر نفسه تحدث عن استحالة استعادة 100% من الأموال من أي رجل أعمال هارب، فضلا عن أن الدولة لا تريد إنفاق مبالغ طائلة في سبيل استرداد الأموال ضمن نسبة مخاطرة عالية، مضيفا: «الروح الثورية التي تعامل بها بعض الأعضاء السابقين في الجهاز حملت طموحات غير واقعية لا يمكن تنفيذها».
لكن، لم تكشف الحكومة عن مصادر توجيه الأموال (الدول أو البنوك) التي حصلت عليها من حسين سالم، وخاصة أن أصولا عدة جرى استردادها عبر طائرة خاصة كانت في مطار القاهرة، حصلت عليها «المخابرات»، إضافة إلى حصة شراكته في إحدى الشركات، فيما ستؤول ملكية الفنادق والأراضي التي تنازل عنها إلى وزارة السياحة.
أما في التسوية المالية، فمن المتوقع التحويل مباشرة إلى خزانة الدولة لتمويل الموازنة العامة.
في غضون ذلك، تتواصل مفاوضات الحكومة مع وفد صندوق النقد الدولي، الذي تسعى إلى تمديد زيارته شهرا بدلا من أسبوعين (بدأت السبت الماضي) وفق إعلان وزير المالية المصري، عمرو الجارحي، الذي قال إن سبب ذلك «الحاجة إلى الاتفاق على جميع التفاصيل، لأن الحكومة تسعى إلى الحصول على الشريحة الأولى من القرض في غضون أقل من شهرين».
وأضاف الجارحي، في مؤتمر صحافي أمس، إن «صندوق النقد لم يتحدث عن تخفيض قيمة العملة المصرية، لأن هذا الأمر مرتبط بالبنك المركزي»، مشيرا في سياق ثانٍ إلى أنه «ما من رؤية لاستغلال موارد الشركات التي ستطرح في البورصة قريبا (مشروع الخصخصة)».
لكن الوزير تحدث بتحفظ عن تفاصيل المفاوضات، محاولا نفي وجود شروط تسعفية من الصندوق تجاه الحكومة.
إلى ذلك، تحدثت مصادر حكومية عن وجود رغبة في تمرير «بعض الإصلاحات» حاليا في ظل وجود وفد «النقد الدولي»، ومنها قانون القيمة المضافة الذي سيقره البرلمان خلال الأيام القليلة المقبلة، إضافة إلى اعتماد زيادة أسعار الكهرباء لتخفيف الدعم وزيادة الميزانية.
لكن مسؤولي الصندوق لا يزالون يؤكدون ضرورة أن يكون صرف الشرائح المختلفة للقرض مرتبطا بالإصلاحات التي سيتفق عليها مع تأكيد «ضرورة موافقة البرلمان عليها».