على مبدأ «لا يضيع حق وراءه مطالب»، تجمّع أهالي ضحايا ومخطوفي ريف اللاذقية الشمالي، في ساحة المحافظة وسط مدينة اللاذقية للمطالبة بتحريك الملف، بغية معرفة مصير أبنائهم المختطفين منذ آب في عام 2013.

صوتهم المكتوم إعلامياً في بلد يسوده التعتيم على قضايا معينة، بالتزامن مع تعويم قضايا أُخرى، صدح خلال الاعتصام، مطالبين الدولة السورية بتحقيق جديد في القضية المذكورة. أوجاع عمرها ثلاثة أعوام، تجلت على ملامح الحاضرين منذ أن باغتهم الإرهاب في مثل هذه الليلة، ومورست بحقهم جرائم قتل واغتصاب وتنكيل، على مرأى ومسمع العالم دون أي رادع أو منقذ للأطفال الأبرياء والنساء المفجوعات اللواتي شهدن قتل أبنائهن وأزواجهن بعيونهن. بعض الحاضرين كانوا من الناجين من المذبحة اللعينة، غير عابئين بشمس آب الحارقة، إذ إن الكثير من الحرائق تشتعل في نفوسهم. وبما أن «المصيبة تجمع وتوحّد»، لم يكن لذوي الضحايا من يشاركهم حسرتهم والوقوف لساعات أمام مبنى المحافظة، سوى أهالي مخطوفي مجزرة اشتبرق في ريف ادلب، التي حدثت قبل أكثر من عام. وحده المسؤول العتيد صمّ آذانهم عن نداءات المعتصمين، رافضاً الخروج من مكتبه البارد ليواجه الحَرّ خارجاً وحسرات الأهالي المفجوعين.

قضية مخطوفي اللاذقية لا تثير حماسة مسؤولي المدينة
محافظ اللاذقية لم يخرج للقاء الأهالي الذين يتفهمون ببساطتهم أسباب عدم خروجه، على الرغم من لوعتهم، إذ ليس لدى الرجل ما يقوله أو يفعله، في مواجهة طلبات المسلحين التعجيزية للإفراج عن المخطوفين، بحسب ما قاله منذ أشهر. أحد المعتصمين نقل عن لسان أحد المسؤولين عن ضبط النظام في المدينة، أنه اتهم الأهالي بتنظيم الاعتصام رغبة منهم في الظهور على «القنوات المغرضة»، في تجاهل واضح لعدالة قضية أهالي المخطوفين، وتجاهل غير مبرر لمطالبهم في فتح قنوات اتصال حقيقية مع الخاطفين. المسؤول ذاته قال للأهالي بالفم الملآن: «كل سوريا فيها مخطوفون ومفقودون». ليجيبه أحد المعتصمين أن مخطوفيهم أطفال ونساء لا عسكريون، أي أنهم عزّل، ويجب تحريك قضيتهم الإنسانية أسوة بقضايا مدنيين آخرين من مناطق أُخرى، ثم استنفار هيئات ومنظمات ووزارات وجهات عدة لتحريرهم من أيدي المسلحين.
وإن كانت قضية مخطوفي اللاذقية لا تثير حماسة مسؤولي المدينة، معتبرين اعتصامات الأهالي ونداءات محاولات لفت نظر لا أكثر، فإن لا حماسة أيضاً لدى الحكومة بدورها حتى لتحريك القضية سياسياً أمام الرأي العام الدولي. وذلك يأتي بالتوازي مع شهية المنظمات الإنسانية المفقودة أيضاً تجاه القضية ذاتها لأسباب، لعلّها، تتعلق بالبيئة الريفية الموالية للدولة السورية التي ينسب إليها المخطوفون. لتصبح 14 قرية صغيرة يقطنها فلاحو الجبال الساحلية الآمنين، فريسة التجاذبات السياسية والمفاوضات لمبادلة مسلحين في السجون السورية مع أطفال ونساء مدنيين. وعند سؤال بعض المعتصمين عن سر التجمع والاعتصام في كل المناسبات أمام مبنى المحافظة بدل الاعتصام في دمشق تحت أعين أصحاب القرار، أكد أحدهم أن المعتصمين لا يملكون أجور النقل إلى العاصمة بسبب فقرهم الشديد. فيما ينقل نواب سوريون عن وقوف وزير الداخلية السوري شخصياً تحت قبة البرلمان، ليقول بوضوح: «يمكننا تقديم مساعدات لذوي المخطوفين. أما قضية المخطوفين أنفسهم، فهي قضية سياسية». وقد ورد ذكر قضية المخطوفين في مداخلات عدة لأعضاء مجلس الشعب، دون أن تحظى بالاهتمام المناسب، في ظل غياب الإعلام السوري عن التذكير بالقضية. فيما ورد أكثر من رد من وزارة المصالحة عن طلبات تعجيزية للمسلحين، قبل الإفراج عن المخطوفين المدنيين، إذ وصل الأمر بهم إلى حد المطالبة بأموات أو أسماء لا وجود لأصحابها أساساً.
ويبقى تكرار الحديث عن مأساة عشرات المخطوفين منذ عام 2013، ليس أكثر من رمي حجر في بركة ماء راكدة، حيث أصبحت هذه المعاناة رمزاً لعجز وزارات وجهات رسمية عدة، وسط تعتيم إعلامي بات من الواضح أنه مقصود، ليعود أهالي المختطفين بين الفينة والأُخرى، للتذكير بأبنائهم. تقول إحدى المسنّات المحررات قبل أكثر من عام: «قد لا يعني أبناؤنا لأحد شيئاً. مجرد أناس فقراء لا يهمّون أحداً. إنما يعادلون عندي الدنيا وما فيها».