في ظل تحديات الحرب التي تشهدها البلاد، يعيش السوريون تحت وطأة قلّة الخدمات الحكومية، ما قضى على مقومات السياحة بشكل كلّي. فالحكومة ومسؤولوها لا يشاطرون الشعب تقشّفه وسوء حاله، بل يقدّمون عدداً من الخدمات «الأساسية» بأعلى تكاليفها. أما السياحة فأصبحت رفاهية بلا معنى. اقتصرت على جلوس الفقراء في الحدائق العامة، لأنّه «السيران» الوحيد المتنصّل من أتاوة الحكومة، في حين باتت المطاعم ضرباً من الأحلام لكثيرين.

يمكن تفهّم الصعوبات التي تواجهها الحكومة في تأمين القطع الأجنبي ودفع رواتب موظفيها، وما تبقى من الدعم الذي تقدّمه لبعض المواد الأساسية. ولا شكّ أن العائدات السياحية أصبحت تعتمد على السياحة الداخلية إضافةً إلى السياحة الدينية في ظل توقّف إصدار تأشيرات الدخول للقادمين من معظم الدول الأجنبية، خلال سنوات الحرب.
قبل اندلاع الحرب، شكّلت عائدات السياحة حوالى 13% من الناتج القومي السوري، وسجّل عام 2010 دخول 6 ملايين سائح إلى البلاد، من مختلف أنحاء العالم. وبلغت خسائر القطاع السياحي، خلال الحرب، 387 مليار ليرة، وفق إحصاءات وزارة السياحة لعام 2014. أما استثمارات القطاعين العام والخاص، فقد بلغت قبل الحرب 6 ملايين دولار. غير أن المثير للريبة أن يلجأ المعنيون إلى الحصول على الحلول المادية من جيوب الشعب المنهك تحت وطأة ارتفاع الأسعار، فيما يواصل التجار وأصحاب المنشآت السياحية الخاصة استجرار أموال الناس، مع غياب رقابة الحكومة، عن قصد أو دونه.

الوطن... ليس فندق الأغنياء!

تصل كلفة وجبتي غداء في أحد المطاعم «الراقية» على أوتوستراد المزة، وسط العاصمة دمشق، حتى 15 ألف ليرة، ما يعادل 30 دولاراً، وهو رقم يلامس أجور الموظفين الحكوميين.
وقد اعتمد المطعم على «مستوى» زبائنه كي يرفع أسعاره، فروّاده من الفنانين والمسؤولين. الأمر نفسه يسري على الفنادق، إذ فاقت أسعار الإقامة في الفنادق التوقعات، بما فيها الفنادق التي تعود تبعيتها لوزارة السياحة. الموسم الناري على الشاطئ السوري شهد مباراةً قاسيةً بين الحكومة والقطاع الخاص، تفوّق فيها القطاع الخاص حتماً، غير أن الحكومة لم تكن بريئة. كلفة الليلة الواحدة في منتجع الشاطئ الأزرق تعدّت 30 ألف ليرة لتصل في فندق اللاذقية السياحي (المريديان سابقاً) إلى 50 ألفاً، وسطياً.
أرقام بدت فلكية نسبةً إلى منتجعات لا يرتادها إلا السوريون، إذ افترضت الحكومة والقيّمون على أسعارها أن السوريين سيّاح، وأن عليهم مراعاة الأسعار العالمية بالعملة الصعبة. يأتي ذلك في وقت لا تُراعي فيه الحكومة مستوى الخدمات المقدّمة عالمياً، إذ يُجمع رواد هذه الفنادق على سوء الخدمة على مدار العام، بما فيها الموسم السياحي. وفيما يهرب من بقي من أبناء الطبقة الوسطى خارج منازلهم الحارّة بفعل التقنين الكهربائي، إلى الفنادق بهدف الحصول على خدمات بسيطة كالتكييف وشحن وسائل الاتصال ومتابعة التلفاز والسباحة، فإن التعامل مع المواطن كسائح من الدرجة العاشرة يبدو مستفزاً. هذا ما يشرحه أنور، ابن اللاذقية، إذ يؤكّد أن شعار «الزبون دائماً على حق» غير متّبع في بلاد تفتقد صناعة السياحة، بل إن الزبون قد «يأكل قتلة»، بحسب تعبيره، إذا انفعل وطالب بخدمات بمستوى المال الذي يدفعه.
ويضيف الشاب الثلاثيني ضاحكاً: «يزايدون علينا أن الوطن ليس فندقاً نتركه حين تسوء الخدمة. الكارثة أنه فندق باهظ الثمن أيضاً، من دون أي تطوير أو رقابة أو أدنى إحساس بالذنب تجاه الناس». فيما تذكر الطالبة الجامعية نادين أنها لجأت وعائلتها إلى أحد المنتجعات الخاصة الراقية، هرباً من عنجهية موظفي الفنادق التابعة للدولة وسوء خدماتهم. وتشير إلى أن دفع المزيد من المال لفرق الصيانة يجعل العائلة تحصل على مستوى مقبول من الخدمة، في حين تلفت إلى أن كلفة الليلة الواحدة في هذا المنتجع وصلت إلى 90 ألفاً خلال فترة العيد، بسبب عدم توافر حجوزات، وهي تصل في الموسم السياحي إلى 80 ألفاً، حسب مستوى الغرفة وموقعها وحجمها.
الأسعار الفلكية التي تكوي المواطنين تجعل وزارة السياحة حاضرة بقوة في أحاديث السوريين، غير أن التواصل المتكرر مع مكتب الوزير بشر يازجي لم يسفر عن أي إجابات حول أسئلة عادية متعلقة بالسياحة الداخلية، ومستوى دخلها والتطلعات الحكومية للسياحة في البلاد، إضافة إلى شكاوى المواطنين المذكورة.




فندق العم سمير
يمشي العم سمير نصّار، كما يحلو لأهالي الكفرون تسميته، في أرضه الصغيرة الواقعة في إحدى القرى التابعة لريف طرطوس. أشجار الفاكهة المتنوعة زرعها بيديه، أثناء إنشائه بيته الريفي الكبير، المجهز ليكون فندقاً صغيراً.
يسكن وعائلته في الطبقة الأرضية في حين ينتشر روّاد فندقه البسيط في غرف مستقلة تطل على مساحات شاسعة من الطبيعة الجبلية. يتباهى «الخواجة سمير» بنظافة فندقه على الرغم من انقطاع التيار الكهربائي المستمر، فيضطر رواده إلى اللجوء ليلاً لضوء الشموع ما يوحي بـ«الرومانسية»، حسب تعبيره، في حين أن «التكييف طبيعي»، باعتبار المنطقة معتدلة الحرارة صيفاً.
تجتمع في فندقه الصغير كل مقومات الحياة البسيطة وحلول الحرب التي عجزت الحكومة عن العثور عليها... كل ذلك لقاء بضعة آلاف ليرة فقط.