لا جديد في طرح بناء الميناء العائم قبالة قطاع غزة. الخطة الجديدة ــ القديمة دُفعت إلى التداول بين الحين والآخر في السنوات الماضية، لكن بلا نتائج. تبنّي الخطة من قبل وزير المواصلات والاستخبارات الإسرائيلية، يسرائيل كاتس، إضافة إلى «رضى» المؤسسة الأمنية وتأكيدها «إمكانية التعايش معها» ضمن شروط، يبقى ضمن السجالات الداخلية الإسرائيلية، التي لن تؤدي أيضاً إلى نتائج ملموسة، سوى إبقاء الطرح قيد التداول، وهو مطلب إسرائيلي بذاته، بغض النظر عن نتيجته.

قبل أيام، أعاد كاتس طرح فكرة بناء «الجزيرة العائمة»، وقرر وضعها من جديد على جدول أعمال القيادة الإسرائيلية التي يفترض أن تصوّت عليها خلال أسابيع. إلا أن موقفَي رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ووزير أمنه الجديد أفيغدور ليبرمان، عبّرا عن «رفض مطلق»، رغم أنهما تركا نافذة مفتوحة أمام السجالات السياسية لإبقاء الفكرة قيد التداول، بعدما ربطا موقفهما الرافض بـ«تعقيدات عمليات التفتيش، والجهة المشرفة على الجزيرة العائمة».
من حيث المبدأ، لا خلاف في إسرائيل على ضرورة استمرار الحصار على غزة، بمعنى الإشراف والرقابة والقدرة على منع الخارج من القطاع والوارد إليه. ويعدّ ذلك أحد أهم البنود في الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يشمل الضفة الغربية. الخلاف القائم حالياً حول الحدّ والمدى، والسجال حول «الجزيرة العائمة»، بين مؤيد ومعارض، هما ترجمة للخلاف تحت سقف الاتفاق على ضرورة الإبقاء على الحصار والإشراف والرقابة المطلقين على المعابر.
المؤسسة الأمنية في تل أبيب وعدد من السياسيين يرون ضرورة «تنفيس» الحصار للحؤول دون الانفجار، مع عدم الإضرار بأهدافه، وتحديداً ما يتعلق بالحد من تنامي القدرات العسكرية لفصائل المقاومة في القطاع، وبشكل أساسي منع تزوّدها بالسلاح الإيراني النوعي، إضافة إلى تدفيع الفلسطينيين ثمن خياراتهم. ويجمع الإسرائيليون على أن الحصار، المفروض منذ عام 2006، حقق جزءاً مهماً من هذه الاهداف، مع التأكيد أنه ما كان لينجح من دون التكامل مع الحصار البري المفروض من الجانب المصري.
في تقرير طويل حول «الجزيرة العائمة»، لخّصت صحيفة «هآرتس»، في عددها الصادر في 24 شباط 2016، الأسباب الموجبة، بحسب مصادر عسكرية إسرائيلية رفيعة، ودوافع المؤسسة الأمنية للتحول من رفض مطلق إلى قبول مشروط. بحسب المصادر، «يؤيد الجيش الإسرائيلي من حيث المبدأ إنشاء مرفأ للقطاع، خصوصاً إن أمكن ربطه بالتزام حماس بوقف إطلاق نار بعيد المدى». وبحسب المصادر نفسها، فإن «الجيش الإسرائيلي يرى أن الظروف الاقتصادية الآخذة بالتفاقم في القطاع، من شأنها أن تنعكس سلباً على إسرائيل، عبر الدفع نحو مواجهة عسكرية جديدة، الأمر الذي يستتبع البحث في حلول بنيوية طويلة المدى، قد تساعد على تحسين الوضع الاقتصادي هناك، والتخفيف من خطر اندلاع مواجهة عسكرية مجدداً مع حركة حماس».
مع ذلك، لم تلقَ فكرة «الجزيرة العائمة» قبولاً من نتنياهو ووزير أمنه حينها موشيه يعلون. لكن خلال محادثات المصالحة الإسرائيلية ـــ التركية التي استمرت شهوراً، أعيد طرح الفكرة من جديد. موضوع فك الحصار عن القطاع، وتحديداً إنشاء الميناء البحري، كان شرطاً تركياً قوبل برفض إسرائيلي مطلق، رغم تداول الطرفين أفكاراً حول السبل الكفيلة بإقامة الميناء من دون الإضرار بالحصار الإسرائيلي وأهدافه. إلا أن المحادثات رست في نهاية المطاف على تراجع أنقرة، بعدما لمست إصرار تل أبيب على الرفض، حتى وإن كان الثمن تفجير التفاوض والتراجع عن المصالحة.
لكن ما هي الأسباب التي تدفع القيادة الإسرائيلية إلى رفض «الجزيرة العائمة»، رغم «رضى» الجيش الإسرائيلي وتحذيره من احتمال «الانفجار» في القطاع على خلفية الحصار؟ وما الذي يدفع حكومة العدو إلى الرفض، رغم أن الصيغ المتداولة والمطروحة تلغي الحصار شكلاً، وتبقي عليه مضموناً؟

السلطة الفلسطينية ومصر أقوى الرافضين لفكرة إنشاء ميناء قبالة غزة

لا بد من الإشارة، كمعطى رئيسي، إلى أن الحصار على قطاع غزة ما كان ليكون حصاراً كاملاً لولا الحصار البري المصري، ولن يكون للحصار الإسرائيلي فائدة ونتيجة لو قرر الجانب المصري فتح «الميناء البري» للقطاع في معبر رفح. بل لا ضرورة ولا موجب لطرح فكرة ميناء بحري عائم أو غير عائم، من الأساس، لولا الحصار والتشدد المصريين.
من جهتها، تربط القاهرة موقفها من حصار غزة وإمكانات تخفيفه بالشأن الأمني الداخلي، والمواجهة القائمة بينها وبين جماعة «الإخوان المسلمين»، وأيضاً الجماعات المسلحة في سيناء، وتتعامل مع فك الحصار باعتباره تهديداً لأمنها، فضلاً عن إرادتها الإضرار بحماس باعتبارها امتداداً للإخوان المسلمين في مصر.
الموقف المصري، ربطاً بأهميته الاستراتيجية من ناحية إسرائيل، هو عامل رئيسي يلقي بظلاله على موقف تل أبيب ويدفعها إلى الرفض، حتى مع إيجاد صيغ تضمن الإشراف والرقابة المطلقين على الميناء و«حق» إسرائيل في إغلاقه ساعة تشاء، كما يرى وينظّر له وزير الشؤون الاستخبارية يسرائيل كاتس، العراب والداعم لإقامة الميناء البحري من الجانب الإسرائيلي.
وتوضح «هآرتس» في هذا الإطار أن وصف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية للوضع المعيشي الصعب في قطاع غزة بـ«القنبلة الموقوتة» التي قد تنفجر في وجه إسرائيل، لن يُخرج القيادة السياسية في تل أبيب عن طورها كي تسهّل على الفلسطينيين، و«اقتراح يسرائيل كاتس إقامة ميناء عائم مقابل ساحل غزة، من الصعب أن يبصر النور، من دون موافقة مصر».
ويضاف إلى موقف القاهرة الرافض موقف السلطة الفلسطينية الشبيه له، المبني في الأساس على خلافاتها الداخلية مع حماس، وإن جرى تغليف رفض السلطة بخلفية رفض الفصل المطلق بين أراضي السلطة في الضفة الغربية والقطاع. تضاف أيضاً إلى ذلك لامبالاة عربية ودولية لمعاناة الفلسطينيين في القطاع، بعدما تحولت القضية الفلسطينية، وليس فقط جزء من جغرافيتها، إلى أسفل سلم الاهتمام العربي وأولوية ساقطة لدى الحكام والأنظمة العربية «المعتدلة».