كنت ألهو عند عتبة بيت "سيدي" في المخيم، عندما صرخت جدتي بأعلى صوتها: "راح يطلع القمر"! ضحكت متعجبة، قائلة: "شو مالها ستي؟ ما أصلاً كل يوم بيطلع القمر!". كانت هناك حركة غريبة في المخيم، الناس منتشرون في جميع أزقته، أعلام فلسطين يتناقلها الأهالي من يد إلى يد، أصوات نشرات الأخبار في الإذاعات تلعلع من كل بيت.

تلقم جدتي فمها طرف ثوبها لتستطيع الركض، تتجه نحو الباب بأقصى سرعتها: اليوم لا مكان لمرض الروماتيزم الذي يدك عظمها منذ سنوات، اليوم سيُفرَج عن دفعة من الأسرى، وسيكون بينهم "القمر"، أي عمي الذي حكم عليه العدو بالسجن مدى الحياة مرتين و١٥ عاماً! "ستي يا زويا ح يطلع عمك القمر من نفحة"، أضحك بشدة ببراءة طفولتي المستغربة. لا لأن عمي سيخرج من السجن بعد سبع سنوات قضاها هناك، بل لأنه في الحقيقة لا يشبه القمر.
تخونني ذاكرتي ويغيب عني الكثير من التفاصيل، نظراً إلى صغر سني آنذاك. كان ذلك في عام 1996. يوم الإفراج عن عمي، أخذت جدتي تنثر حبات الملبس على رأس عمي وفي كل مكان. صحيح أنني كنت مشغولة بجمع الحلوى عن الأرض لأكلها في وقت لاحق، ولكنني لا أنسى جدتي التي كانت تضحك وتبكي في آن واحد كما لم أرها من قبل. كاد قلبها ينفجر من فرط السعادة. كانت تمسك بعمي ولا تريد إفلاته. تمسكه بكامل قوتها، تحتضنه وتقبله، فبعد تعب سنوات وبكاء طويل وتذكره في كل وجبة طعام تحضرها والاحتفاظ بكل رسائله وأعماله التي كان يرسلها إلينا من السجن، الآن عاد إليها عمي "أبو صالح". ابتداءً من اليوم، لن تنتظر جدتي تصريح الزيارة بفارغ الصبر، ولن يتعبها طريق نفحة الصحراوي.

■ ■ ■


أن يكون أحد أقربائك أو معارفك أسيراً أو مناضلاً، فهذا مصدر فخر. في أول أيام الإفراج عن عمي كنت "معجوقة"، أخذت أدعو صديقاتي ليأتين بالقرب من باب بيت جدي ويلقين نظرة سريعة عليه، وأقول لهن بفخر: "هيو هناك هاد عمي والله. كان أسير بس طلع".
كان أغلب الأحيان نائماً أو مشعلاً سيجارته متمشياً في البيت ذهاباً وإياباً في عادة اكتسبها منذ أن كان قابعاً في السجن. كان يمشي وكأنه لا يزال هناك.
حين رأيت عادة المشي عند عمي، شكرت الله لاكتشافي ميزة واحدة في تصميم بيت جدي المستطيل الشكل، لقد كان مكاناً ممتازاً لعمي لكي يمشي، وعلى الرغم من مرور أكثر من 19 عاماً على هذا الحدث، إلا أن عادة المشي في المنزل لا تزال تلازمه حتى اللحظة. هكذا هي سجون الاحتلال، تعبث بروحك وتترك آثارها كندبة.

■ ■ ■


تاريخ محدد يطبعه جندي الاحتلال ليقرر فيه زيارة أهالى الأسرى لأبنائهم، وفور صدور خبر إصدار تصاريح لزيارة عمي في نفحة، أصطف أنا وإخوتي بانتظار إعلان جدتي اسم "الفائز برحلة معها إلى سجن نفحة". كنت "أفوز" أنا بأغلب المعارك، نظراً إلى شقاوة أخي الأكبر ومعاناة أختي الأخرى من دوار السفر.
تتأنق جدتي كمن لديه موعد مع حبيب، نستعد الساعة الخامسة فجراً نحن وأهالي بعض الأسرى في المخيم للانطلاق، في الباص الذي يقلنا. وجوه أنهكها الانتظار، وعيون وقلوب تترقب الوصول إلى هناك، بغضّ النظر عن الذلّ الذي يعانونه في أثناء الزيارة. استمرت زيارات جدتي لعمي منذ اعتقاله في عام 1989 حتى الإفراج عنه ضمن صفقة في العاشر من كانون الثاني عام 1996.
وقت الزيارة هو الأصعب. ندخل نجلس على مقاعد خشبية مقابلها سياج حديدي (شبك) يفصل بيننا وبين الأسرى، تلصق جدتي فمها على السياج ويلصق عمي خده عليه لتقبله، تحاول إدخال أصابعها داخل السياج للإمساك بيد عمي. لا أذكر أن جدتي طوال الزيارات كانت تشيح نظرها عن عمي. تريد أن تحفظ تفاصيله، ملامحه وارتباكه أمامها ومحاولته لإظهار قوته، تغرقه بالأسئلة: "بتاكل يما؟ متدفي يما؟"، ليرد عليها: "تقلقيش". ويبدأ بالسؤال عن أهالي المخيم فرداً فرداً.
أهزّ بقدمي محاولة مقاطعة حديثه مع جدتي، أدخل أصابعي ليمسكها عمي، أسأله عن حاله، فيضحك: "تخفيش ما نسيت وجبتلك شوكولاتة"، كان يقتصد من مصروفه في السجن الذي يبلغ (100 شيكل شهرياً) ليشتري من الـ"كنتينا" (مقصف السجن) الحلوى لي ولإخوتي.
كنت أشاهد يد ستي طوال مدة الزيارة كيف تتعرق نتيجة إمساكها بالسياج، أي حياة حقيرة نعيشها؟ تقطع جدتي مسافة ساعات من أجل زيارة مدتها نصف ساعة، وكيف لسياج أن يفصل بين أم وابنها المعتقل منذ سبع سنوات، كانت تمسك بالسياج وكأنها تود اقتلاعه: "اااه يا الله لو أنني استطيع أن أرى وجه ابني بوضوح دون تدخل السياج". سبع سنوات تغير وتبدل فيها الكثير، إلا أن هذا السياج اللعين باقٍ كنبتة متسلقة ذات رائحة صدئة تمنع الحياة عن النبتة الأصلية.
ينتهي وقت الزيارة، فتبكي جدتي وتضع قلبها عند عمي وتمضي. في السجن غيمة عنيدة مليئة بالأحلام والأمنيات، لكنها لا تمطر. تعلو أصوات أهالي الأسرى وهم يشاهدون ذويهم مبتعدين، وسيل من الوصايا المتبادلة بين الأسرى وأهاليهم بالاهتمام بأنفسهم وإرسال السلام. أصوات تخنقها الدموع حتى لا تكاد تسمع.
أول دقائق من العودة من الزيارة يسود الصمت في الباص، وتبدأ أسئلة أهالي الأسرى تنفجر كقنبلة بالرأس: هل حفظت وجه ابني؟ كيف لي أن أعود إلى حياتي الطبيعية بعد الزيارة؟ وهل حياتي طبيعية بالأصل؟
في أحد صباحات 2016 يصدح "الراديو" بصوت أحد المسؤولين على إحدى الإذاعات بأن السلام ممكن بيننا وبين الإسرائيليين، ويضرب مثالاً ساذجاً: "لو جبنا طفل فلسطيني وطفل إسرائيلي وما اطلعناهم على تاريخ الصراع راح يستطيعوا يعيشوا مع بعض بصفاء وسلام"!
عندما سُجن عمي كنت صغيرة، ولم أكن على اطلاع على "الصراع العربي الإسرائيلي" كما يقول أخونا، ولكن هناك جزء من ذاكرتي في الطفولة لوثه الاحتلال، هو عبارة عن مشاهد لسياج صدئ وأرجل وأيدٍ وقلوب مقيدة، وأخرى لا تزال رابضة هناك على مقاعد الزيارة، ودموع، الكثير من الدموع والصلوات والأدعية والرسائل وأصوات أجهزة التفتيش المذلة، وصراخات أهالي أسرى مُنعوا من زيارة أبنائهم، وأعمار مقفل عليها في الصحراء، وآلاف الأمهات اللاتي انتظرن ولا يزلن ينتظرن أبناءهن عائدين مثلما عاد "قمر" جدتي.