لم يغب عن بال القاهرة أو المفتي السابق علي جمعة، توظيف محاولة اغتيال الأخير، في الصراع المستعر بين السلطة والإسلاميين على تعدد حالاتهم، من «الإخوان المسلمون» والجماعات المسلحة في سيناء وخارجها، فضلا على امتدادات صراع الأجنحة بين من تبقى من اتجاهات دينية مؤيدة للرئيس عبد الفتاح السيسي، كالسلفيين والأزهريين وشيوخ الأوقاف.

صحيح أن محاولة الاغتيال لم تنجح، وأن جمعة قام بحركات «تشبيح» أمام الكاميرات، مستندا إلى قربه من السلطة، وخاصة أنه كان يصدر فتاوى ضد معارضيها، ولكن ذلك لم ينته إلى هنا. فالمفتي الشهير بأقواله المثيرة للجدل، عاود الهجوم على «الإخوان»، محمّلا إياها المسؤولية عن الهجوم، كما لم ينس تأكيد دور الجيش المصري، بل ذهب إلى وصف أن استهدافه هدفه «لفت الناس عن احتفالات القاهرة بنجاح قناة السويس الجديدة»!
وبعدما كانت عمليات/محاولات الاغتيال تمس رجال القضاء والأمن، يمكن القول إنها المرة الأولى التي باتت الشخصيات الدينية فيها تحت المجهر، اذا كانت محاولة اغتيال فعلية. وتوقيت العملية المتزامن مع اعتماد النظام مجددا على الخطاب الديني، بوجهيه: الأزهر ووزارة الأوقاف، في تعضيد موقفه مقابل الشارع، يحمل دلالات رفض، قد يعبر عنها الجمهور اذا قرر النظام المضي في إجراءاته الاقتصادية التقشفية.

تزيد فرص جمعة
في ظل الزحام بين الأزهر و«الأوقاف»

لكن إعلان حركة مغمورة، مثل «حسم»، مسؤوليتها عن الحادث، جعل متابعين لحركات الإسلام الجهادي يتحدثون عن انتشار فكر «داعشي» داخل الوادي والدلتا من دون اشتراط حدوث علاقة تنظيمية بين «ولاية سيناء» وهذا التنظيم الجديد. وسبق محاولة الاغتيال بأيام إصدار مرئي جديد من «ولاية سيناء» تحت عنوان «لهيب الصحراء»، كجردة حساب في الشهور السابقة، وهو ما يوفر مناخا جيدا لمؤيدي «داعش» نحو عمليات مسلحة أخرى.
ولعل البدء بعلي جمعة لما للرجل من محاضرات كثيرة جرى تنظيمها تحت رعاية «الشؤون المعنوية الجيش المصري» لمصلحة المجندين الذين يسعى الجيش إلى تأهيلهم لمواجهة العناصر المتدينين والمسلحين، وخاصة أن «لهيب الصحراء» تضمن دعوة إلى الجنود كي ينحازوا إلى «الدولة الإسلامية في مصر وأن يتركوا الجيش الذي يزج بهم في معارك خاسرة».
رغم ذلك، أصر جمعة على «تعليق ذمّته» بـ«جماعة الإخوان»، التي نفت أي علاقة لها بحركة «حسم». والأخيرة لها عدة بيانات أعلنت فيها منذ شهور استهداف سيارات بعض الضباط في الشرطة المصرية «انتقاما لضحايا مذبحة رابعة العدوية»، ثم عادت إلى الكمون.
وعلى نقيض الرواية الرسمية، يقف الإخوانيون مشككين في الرواية برمتها، بل يرون أن السلطة الحالية تحاول لفت انتباه الناس عن الأزمات الاقتصادية وارتفاع الدولار مرة بقضية الفتنة الطائفية وأخرى بالمشكلات الأمنية، لكن، مع التشكيك الإخواني الدائم في روايات الداخلية المصرية بخصوص حوادث الاغتيال، وتأويل الأحداث باعتبار أن المخابرات والأجهزة الأمنية مسؤولة عن مثل هذه الأحداث. سبق أن قالت الجماعة (عبر رموزها وقياداتها السياسية) إنه لا وجود لـ«داعش» في سيناء، وإن ما يحدث هناك فعل مخابراتي في المقام الأول، وهو ما يجعل رواية «الإخوان» أقرب إلى «الكلاشيهات».
كذلك سبق أن تبرأت «الإخوان»، عبر متحدثها المحسوب على القيادي محمود عزت، من الحركات المسلحة التي نفذت عمليات عسكرية ضد الشرطة المصرية تحت عناوين مثل «الحركات النوعية وحركة المجهولين»، ثم تبين أنها كانت حركات إخوانية يديرها جناح محمد كمال لمواجهة بطش وزارة الداخلية.
عموما، مع إخفاق محاولة الاغتيال، قد تعيد إنتاج حالة علي جمعة وتصديره بصورة أقوى في الوسط الديني وربما تجهيزه لمنصب جديد، وخاصة في ظل «تزاحم» المؤسسات الدينية كالأزهر والأوقاف، وكون التلاسن بين رجالاتهما قد أدى إلى فقد الثقة بهم مجتمعيا، وبذلك، فإن الشخصية الوحيدة التي يستطيع النظام الاعتماد عليها لتمرير خطابه الديني إلى الناس هو جمعة، مع أن المشهد الذي خرج به في خطبة الجمعة المصغرة سار على عكس المقبول.