كان انقطاع التيار الكهربائي عن محافظة طولكرم، شمالي الضفة، سيبقى أزمة معيشية تخصّ المواطنين، لولا تحوّل ساحات الاحتجاج على انقطاعها إلى «مناسبة» لتصفية حسابات داخلية بين حركة «فتح» والأجهزة الأمنية التابعة للسلطة (التي تحكمها «فتح»)، فيما كان عرّابها هذه المرّة رئيس الوزراء الفلسطيني، رامي الحمد الله، الذي تحول من رجل تكنوقراط إلى جزء من الحالة التنظيمية المتنمّرة.

ولا تعاني الضفة عموماً من مشكلات كهرباء كبيرة مثل قطاع غزة، ولكن طولكرم كانت في الأيام الماضية مسرحاً لأزمة تشابكت فيها عناوين السياسة الداخلية والاحتلال والاقتصاد. ظاهر الأزمة هو انقطاع الكهرباء عن المدينة لساعات طويلة، وصلت في بعض الأحيان إلى 15 ساعة يومياً، لكن جوهرها صراع نفوذ تعيشه «فتح» بين حين وآخر.
موجة احتجاج كبيرة شهدتها المدينة، سرعان ما خطفها سجال عناصر وكوادر «فتح» مع الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، فشنّت بدورها حملة اعتقالات ضدهم. هذه المرة لم يكن الطقس الحار سبباً مباشراً في «تسخين» الصراع على النفوذ في الضفة، بل استغل انقطاع التيار لتصفية حسابات بين عضو «المجلس الثوري» لـ«فتح» إبراهيم خريشة، من جهة، والحمدالله من جهة أخرى.
وشنّت أجهزة السلطة اعتقالات واسعة طاولت عناصر وكوادر من الحركة في المدينة، فيما انطلقت مظاهرات غاضبة، قبل أن تتحول إلى اعتصام ٍمفتوح على دوار جمال عبد الناصر، احتجاجاً على الاعتقالات، التي كانت أيضاً سبباً في تقديم الاستقالات الجماعية من مختلف المناطق التنظيمية بين كوادر ومجالس الطلبة والشبيبة الفتحاوية (الذراع الطلابية للحركة).
الرد لم يتوقف عند الاعتقالات، بل تعرض خريشة للضرب على أيدي أفراد الأمن، الذين رشوا عليه الغاز المسيل للدموع أثناء تصديه لاعتقال أحد الفتحاويين، لينسف هذا الحادث جهود رئيس السلطة محمود عباس في تطويق الأحداث عندما أصدر قراراً بوقف الاعتقالات الجارية تحت عين العدو الإسرائيلي، والإفراج عن المعتقلين.
وعلمت «الأخبار» من مصادر خاصة أن جهاز «الأمن الوقائي»، الذي يترأسه جهاد هب الريح (تجمعه علاقة جيدة بالحمدالله)، هو الذي نفذ الاعتقالات بإيعاز من رئيس الوزراء، مؤكدةً أن الاعتقالات لم تطاول أياً من المواطنين الذين احتجوا على أزمة الكهرباء، بل تركزت على العناصر التنظيميين الذين هاجموا الحمدالله، عبر موقع «فايسبوك».
وجذور الصراع بين خريشة والحمدالله تعود إلى حادثة اعتقال رئيس «نقابة الموظفين العموميين» بسام زكارنة (المحسوب على خريشة)، ودهم «الأمن الوقائي» منزل الأخير في شباط الماضي، وذلك بعد أيام قليلة على قرار إحالته على التقاعد من وظيفته في وزارة الأشغال العامة. لكن عضويته في «المجلس الثوري» لم تقِه التهميش والإقصاء، بل بات ممنوعاً عليه الظهور على وسائل الإعلام الرسمية.
بالعودة إلى أزمة الكهرباء في طولكرم، قالت مصادر خاصة إن الحمدالله استغل الملف لإحراج بلدية المدينة المحسوبة على «إقليم فتح»، وتأليب الرأي العام ضدها. ولفتت المصادر نفسها إلى أن اتصالات مع «شركة الكهرباء القطرية الإسرائيلية» أجرتها السلطة لعرقلة تزويد المحافظة بخطوط تقوية وإمدادات جديدة، رغم المبالغ المالية الكبيرة التي دفعتها البلدية لمدّ خط جديد. ويرمي الحمدالله من هذه الضغوط إلى إجبار البلدية على الانضمام إلى «شركة كهرباء الشمال» (أسّست بمرسوم رئاسي 2010)، ما يعني تحديد صلاحياتها.
بعد الكهرباء، لجأ الحمدالله إلى تعيين مراقب مالي عبر وزارة الحكم المحلي على بلدية طولكرم، ليصعّد حدة المواجهة بين الحكومة والبلدية، بعدما رفضت الأخيرة التعاطي مع المراقب، ما تسبّب في وقف رواتب أكثر من 500 موظف، خصوصاً أن تعيين المراقب أتى في أعقاب توظيف البلدية 300 موظف جديد خلال مدة قصيرة، من دون الرجوع إلى الحكومة، وهو ما رآه رئيسها تحدياً له.
وبات واضحاً حجم الصراعات التي تعيشها «فتح»، المفترض أنها مقبلة على انتخابات بلدية مقابل «حماس». وما إن تخبو تارة حتى تستعر من جديد، في ظل التنافس المحموم بين أعضاء «المركزية» على خلافة عباس الذي دخل عامه الثالث والثمانين 83، ولا تزال لديه الرغبة في مواصلة محاربة القيادي المفصول محمد دحلان، ما جعل الضفة بمؤسساتها وبأطرها التنظيمية ساحة للمواجهة بين حليفي الأمس.
ولا يتردد رئيس السلطة في فصل أيّ قيادي من «فتح» يثبت تورطه في علاقة مع دحلان، رغم ما حُكي عن مصالحة بين الاثنين برغبة تركية وحديث مصري (العدد ٢٩٤٨ في ٣٠ تموز)، وآخر ذلك الأنباء غير المؤكدة عن فصل النائب في المجلس التشريعي نجاة أبو بكر، وأربعة آخرين. كذلك لا يألو دحلان جهداً في تعزيز نفوذه داخل «فتح»، وحتى في المؤسسة الأمنية للسلطة.