بعد سلسلة من الاتصالات الهاتفية والمراسلات الخطيّة، يستضيف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في مدينة سان بطرسبرغ.

سيبحث الطرفان تفاصيل العلاقات التركية ــ الروسية، وانعكاساتها على سياسات الدولتين، الإقليمية والدولية، على أمل تحقيق أنقرة مصالحة نهائية مع موسكو، بعد إسقاطها لطائرة حربية روسية في ٢٤ تشرين الثاني الماضي، إلى جانب تصديها المستمر للسياسة الروسية في سوريا، وخُطب إردوغان النارية بحقها، إذ وصف في إحداها «أنها دعمٌ من ديكتاتور» (قاصداً بوتين).
ويكتسب اللقاء أهميّةً إضافية لأنه الأوّل من نوعه، بالنسبة إلى إردوغان، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، حيث يعاني من عزلة خطيرة وتوتر جديد في علاقاته مع العواصم الغربية، أهمها واشنطن وبرلين وروما وفيينا ولندن، إذ اتهمها وإعلامه بـ«لعب دورٍ ما» في محاولة الانقلاب ودعم الداعية فتح الله غولن. أما المعلومات الصحافية، فقد تحدّثت عن دعم روسي للرئيس التركي خلال محاولة الانقلاب، فكان بوتين أول من اتصل به ليلتها، معبّراً عن دعم موسكو له. كذلك تحدثت المعلومات عن اتصال روسي مسبق بإردوغان، قبل يوم، وإبلاغه باحتمالات الانقلاب.
ولم تمنع الظروف الراهنة التي تمر بها تركيا، وتُبرز حاجة إردوغان إلى الروس، من استضافة أنقرة لقيادات المجموعات المسلحة السورية، الأسبوع الماضي، حيث اتفقت في ما بينها، بضغوطٍ تركية، على توحيد قواها لفك الحصار عن حلب. ولم يمنع كل ذلك إردوغان ووزير خارجيته مولود جاويش أوغلو من الاستمرار في نهجهما التقليدي بمهاجمة «النظام في دمشق» باعتباره سبب الأزمة السورية.

يسعى إردوغان إلى ابتزاز العواصم الغربية بحواره مع بوتين

فالدعم التركي للتنظيمات والفصائل المسلحة، باختلاف مشاربها وتلاوينها، تأمل منه أنقرة أن يكون ورقة مهمة للمساومة بها على طاولة المفاوضات، التي يراها جاويش أوغلو «ضرورة»، والعودة إليها واجبة. كذلك فإنها انعكاس للمحاولة التركية، الدائمة والمتكررة، في إظهار تأييدها للحل السياسي هناك. وهذا ما يؤكّده أحد نواب البرلمان التركي، عن «حزب الشعب الجمهوري»، باعتبار أن الدعم التركي الكبير للمجموعات المسلحة في منطقة إدلب، ومساعدتها في كسر الحصار عن حلب، هدفهما تدعيم موقف أنقرة في المفاوضات المرتقبة، في وقتٍ يخيّم فيه «الصمت» على الدوائر الإعلامية والسياسية والأمنية التركية تجاه نشاط تنظيمي «داعش» و«جبهة فتح الشام» (جبهة النصرة) في البلاد، وغياب الحديث عن «وحدات حماية الشعب»، الكردية، بعد أن كان إردوغان ووزراؤه يهدّدونها دوماً بـ«التدخل العسكري»، إذا ما اقتربت من منبج أو جرابلس، في محيط الحدود التركية ــ السورية.
ويتحدث العديد من المحللين عن مساعي إردوغان لابتزاز العواصم الغربية بحواره مع بوتين، وتهديدها بالمزيد من «التحالف مع روسيا»، وهو لن يكون ممكناً في ظل الاتفاقيات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة و«الحلف الأطلسي»، والتداخل الاقتصادي المعقّد مع الشركات العالمية الغربية، خاصّة أنه سيستقبل وزير الخارجية الأميركي جون كيري، في 21 الشهر الجاري، ومن بعده نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن.
والجميع يعلم أن واشنطن ستبقى الأكثر تأثيراً في سياسات إردوغان، خاصّةً في ظروفه الصعبة حالياً ــ عسكرياً، وسياسياً، واقتصادياً، ومالياً. كذلك فإنّ إردوغان يعي جيداً أن روسيا بحاجة إلى تركيا، هي الأخرى، وهي أي تركيا، بحاجة إليها على الصعيدين الاقتصادي والتجاري.
ولكن يبقى الرهان على قدرات بوتين وطاقمه الدبلوماسي على فهم هذه الحقائق، وبالتالي على الإمكانيات التي تملكها روسيا في تحدياتها مع تركيا «الضعيفة حالياً»، على أن يكون الحساب الأهم من يملك الأوراق الأكثر تأثيراً على الطرف الآخر، وأيّ من الأطراف سيغامر ليرى مدى ضعف أو قوة الآخر، حتى يتسنى له تسجيل الهدف الذهبي في ملعبه!