يقول موقع إخباري أميركي (بزفيد نيوز)، في تحقيق نشره نهاية الشهر الماضي، أنه عثر فعلاً على ثلاثة مسؤولين ليبيين من نظام العقيد معمر القذافي (من أصل حوالي ٢٥٠ يقيمون في بريطانيا) تطاردهم السلطات الليبية الجديدة سعياً لاسترداد ملايين الدولارات من الثروة التي فُقد أثرها، ويُعتقد أن جزءاً كبيراً منها موجود في بريطانيا.

ونقلت مواقع صحف بريطانية أسماء اثنين من الرجال الثلاثة، وقالت إنهم يديرون ثروات هائلة ويقومون بتبييض الأموال من خلال النظام المصرفي البريطاني ومن خلال شراء العقارات والفنادق. وقد نشرت الصحف صوراً للجنرال أحمد العزاوي وللواء جمعة المعرافي، وكلاهما كانا من كبار ضباط الجيش الليبي في عهد القذافي، بينما نجح الرجل الثالث على ما يبدو في استحصال قرار "منع نشر" من المحكمة.

تفضّل لندن التريّث والتفاهم حول ترتيب ما بخصوص الأموال

طبعاً، نفى الرجلان الاتهامات الموجهة إليهما، وقالا إنها "كيدية من قبل من دمروا ليبيا"، وأبديا الاستعداد للمثول أمام محاكمة عادلة، إذا توافرت، لإثبات براءتهما. ووفق التحقيق، فإن الرجال الثلاثة مُنحوا اللجوء السياسي في المملكة المتحدة منذ عدة سنوات، وهم يعيشون في منازل فارهة في جنوب لندن. ويُقدّر خبراء ليبيون يعملون مع الحكومات الليبية الحالية حجم الأموال التي تديرها هذه الشبكة من الضباط السابقين بما لا يقل عن ١٠ مليارات دولار.
السلطات البريطانية كانت قد جمّدت أموالاً ليبية باسم القذافي وعائلته عشية سقوط نظامه، تصل إلى حوالى ١٦ مليار دولار من الأموال السائلة ومن مجموعة عقارات فخمة، كذلك جمّدت السلطات الإيرلندية بدورها أكثر من ملياري دولار، بينما لا يُعرف تماماً حجم الأموال السيادية الليبية التي كانت تُستثمر في صناديق خارجية. وتبذل جهات مختلفة في كلا البلدين جهوداً مكثفة لوضع أيديها على هذه الأموال أو على جزء منها، لكن ما يعيق الأمور حتى الآن هو القانون الدولي، خاصة أنّ اتفاقات الاتحاد الأوروبي تمنع التصرف بها من دون موافقة الحكومة الشرعية للبلاد.
ويحاول الإيرلنديون إقناع الاتحاد الأوروبي بمصادرة هذه الأموال وتحويلها إلى صندوق خاص يُنفق منه لاستيعاب اللاجئين. أما في بريطانيا، فهناك محاولات محمومة لاستصدار أوامر قانونية بمصادرة الأموال لمصلحة ضحايا عمليات الجيش الجمهوري الإيرلندي (الذي كان في ما يبدو يتلقى دعماً من العقيد القذافي).
ويدعم هذا التحرك عدد من النواب البريطانيين في مجلس العموم، لكن الحكومة تقول إنها لن تتدخل في هذا الأمر. ويعتقد الخبراء أن الحكومة البريطانية تفضّل التريث والتفاهم بشأن ترتيب ما في هذا الخصوص مع حكومة ليبية مستقبلاً، أو الاستفادة من تحللها من التزاماتها تجاه الاتحاد الأوروبي خلال سنوات قليلة ومصادرة الأموال. ويبدو أن الوثائق التي نشرها الموقع الأميركي تشير إلى هذا الاتجاه، إذ تُتّهم الحكومة البريطانية بعدم التعاون مع محاولات ليبية سابقة لاسترداد الأموال، لا سيما تلك الأموال السائلة التي تدوّرها شبكة الضباط الليبيين السابقين. وقد نشر الموقع نص رسالة بعثت بها السلطات الليبية في عام ٢٠١٢ إلى وكالة مكافحة الجريمة المنظمة البريطانية لمساعدتها في استرداد الأموال من شبكة ضباط سابقين، من بينهم أسماء الثلاثة الذين كشف عنهم الموقع.
عملياً، يعيد نشر هذه الوثائق فتح ملف تساهل بريطانيا في عمليات تبييض الأموال لمسؤولين في حكومات أجنبية من "العالم الثالث"، إذ يُعتقد أن أكثر من مئة ألف عقار في البلاد على الأقل يمتلكها أمثال هؤلاء، عدا عن الأموال السائلة والاستثمارات الأخرى، ما قد يجعل لندن أكبر عاصمة لتبييض الأموال والتهرب من الضرائب في كل أوروبا.