«قد تنتج الديموقراطية أشد أعدائها: الديكتاتورية»، هذا ما حدث بعد «الانتخابات النزيهة» التي دعمت فيها الأجهزة الأمنية المصرية المختلفة «ائتلاف دعم مصر» كي يسيطر على الغالبية البرلمانية ويواصل نهج الدولة حكومة ورئاسة؛ تكوّنت كتلة نيابية كبيرة باتت تأمر النواب بإمرار قوانين بسرعة، وآخرون يتبرعون بالمغالاة عمّا يطلب منهم، والمحصّلة أن البرلمان الذي يفترض أنه انتخب ليوصل صوت الناس إلى الحكومة ويعمل على حل مشكلاتهم، صار يسدد فواتير الانتخابات وأخطاء الدولة على حساب المواطنين.

حتى الآن لم يناقش البرلمان الزيادات الأخيرة التي اعتمدتها وزارة الكهرباء بعد خفض الدعم على مختلف الشرائح، فضلاً عن أنه قرار سيطبق بأثر رجعي من الشهر الماضي، وذلك في خطوة تنبئ باحتجاجات كبيرة تقترب مع صدور الفواتير الجديدة. والزيادة تجري بنسب تصل لدى الطبقة المتوسطة إلى أكثر من 40%، فيما لم تقدم الحكومة سوى زيادة محدودة على العلاوة السنوية، برغم استمرار الارتفاع الكبير في الأسعار.
حالياً، يمهّد النواب لإمرار الموافقة على قرض 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، سيغرق في مصر في دوامة كبيرة من الديون تحت عنوان «إنقاذ الجنيه»، الذي هوى أمام الدولار الأميركي بسبب مشاريع عبد الفتاح السيسي التي استنزفت احتياطي البلاد وتوقف السياحة وتوقف تدفق الأموال الخليجية. لكنّ «ممثلي الشعب» لم يعرفوا بعد، في تكرار لسيناريو تيران وصنافير، تفاصيل وشروط «صندوق النقد» وآثارها في الاقتصاد، ولكنهم حتماً لن يعارضوا رغبة الرئيس لو قرّر، كما جرت العادة.
لم ينته كل هذا، حتى مرّر المجلس، يوم أمس، تعديلات على أحكام قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي، وهو المشروع الذي تقدمت به الحكومة و«المركزي»، وينص على تغليظ العقوبة على المتاجرين بالعملات الأجنبية، وذلك برفع الحدين الأقصى والأدنى للغرامة المالية.
وفق القانون المعدل، سيكون الجزاء «السجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات وغرامة لا تقل عن مليون جنيه، ولا تتجاوز خمسة ملايين جنيه، والحبس مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن المبلغ المالي محل الجريمة ولا تزيد على أربعة أمثال ذلك المبلغ أو بإحدى هاتين العقوبتين، على أن تضبط الأموال، ويحكم بمصادرتها، فإن لم تضبط، يحكم بغرامة إضافية تعادل قيمتها».
رئيس البرلمان، علي عبد العال، بدلاً من أن يبحث مع محافظ البنك المركزي ووزير المالية حلاً لأزمة العملة الصعبة وانهيار الجنيه، قال في الجلسة العامة إنه كان يتمنى تغليظ العقوبة لتصل إلى الإعدام بدلاً من السجن فقط، مطالباً النواب بالعمل على قانون يلغي عمل شركات الصرافة كلياً، بل ذهب إلى حدّ وصفها بـ«السرطان الذي ينهش في جسد الاقتصاد المصري ويدمره»!
ويبدو أن عبد العال لا يسمع معاناة المواطنين بدقة، بعدما وصل الفارق بين السعر الرسمي لصرف الدولار في البنوك وبين السوق السوداء إلى نحو 35%، أو كأنه يلبي رغبة السيسي في إجبار الناس على صرف الدولار وفق سعر البنوك بعد إغلاق شركات الصرافة، رغم أن عدداً منها استغل الأزمة الناتجة من سياسات الحكومة بالفعل.

الرياض قد تسعف القاهرة بملياري دولار على شكل وديعة قريباً

ما يعزز ذلك مواصلة القبضة الأمنية (راجع عدد أمس) على شركات الصرافة التي أوقفت حركة البيع والشراء كلياً وسط صعوبات متزايدة في عمليات البيع أو الشراء بجانب غياب السيولة المالية عن البنوك، علماً بأن أولياء أمور في مدارس دولية تسدد مصاريفها بالدولار والجنيه الإسترليني مقبلون على مواعيد سداد الأقساط السنوية.
على صعيد موازٍ، علمت «الأخبار» من مصادر في الحكومة أن وديعة سعودية جديدة قد تصل في غضون الأيام المقبلة بقيمة ملياري دولار، وهي وديعة طلبتها القاهرة لدعم الاحتياطي النقدي إلى حين الحصول على الشريحة الأولى من قرض «النقد الدولي»، خاصة أنها دفعة قد تتأخر حتى نهاية العام الجاري بسبب تعثر المفاوضات في ما يتعلق بشروط الصندوق التي تمسّ غالبية المجتمع المصري.
مقابل هذا كله، بدأت أصوات داخل البرلمان تطالب بسحب الثقة من الحكومة، وهو ما عبّر عنه بوضوح عدد من النواب المحسوبين على القوى الثورية، عندما بدأوا أمس بجمع توقيعات زملائهم للمطالبة بـ«إقالة الحكومة وتشكيل أخرى جديدة يكون لديها قدرة على التعامل مع المشكلات ولا تكتفي بتسيير الأعمال».
الحملة، التي انتقدها عبد العال علانية، لم تحظَ حتى الآن بالأغلبية، فيما يواصل رئيس البرلمان تقويض المعارضة داخل المجلس والتحايل على الدستور والقانون، وهو ما ظهر واضحاً في تجنب المجلس تنفيذ حكم محكمة النقض ببطلان انتخاب العضو أحمد مرتضى منصور وتصعيد الدكتور عمرو الشوبكي بدلاً منه للعضوية عن دائرة العجوزة، برغم اختصاص «النقض» بالفصل في صحة عضوية النواب.
ولا شك في أن المجلس يخشى سيناريو حله، وهو أمر قد يكون دستورياً ببطلان القانون الذي على أساسه أُجريَت الانتخابات، على غرار ما حدث مع «برلمان الإخوان» عام 2012 عندما صدر حكم قضائي من المحكمة الدستورية ببطلان الانتخابات، كذلك فإن غالبية النواب مطعون بعضويتهم في طعون لا تزال منظورة أمام القضاء، ومن بينهم رئيس المجلس نفسه.
ولا يبدو أن عبد العال سيستطيع التغطية كثيراً على الحكومة والاستمرار بتقويض المعارضة داخل البرلمان، وأيضاً تهديد النواب بالإحالة على لجنة القيم. كذلك لا يزال الرجل يواصل دفاعه الدائم عن أي زيادات مرتبطة برجال الجيش والشرطة ليؤكد أنه مدين لهم بالكثير.
هي ديون ليست لمواطن شعر بالأمن ويشكر جيشه على حفظ البلاد من «شبح الحرب الأهلية»، كما يتحدث باستمرار، ولكن بسبب الدعم القوي الذي نقله من أستاذ قانون في جامعة عين شمس، قضى حياته خارج مصر، إلى رئيس لمجلس النواب ــ بعد ثورتين ــ في برلمان يحمل صلاحيات هي الأكبر في التاريخ المصري الحديث، ولا سيما في ما يتعلق بعزل الرئيس بعد موافقة ثلثي الأعضاء وفقاً للدستور.