من النادر أن يعثر المرء على أخبار فضائح حكام الخليج أتباع الغرب الاستعماري في وسائل الإعلام/ التضليل، إلا إذا كانت صحيفة أو مجلة تلوّح بإمكانية ابتياع صمتها وغض الطرف عن فضائح، ما لم تحصل على دعم مادي وفق مقولة «أطعم التمّ بتستحي العين»! ضمن هذا الإطار، ننظر إلى أخبار فضيحة سِران (وفق قاموس المورد الأكبر) حاكم مشيخة دبي السيد محمد بن راشد آل مكتوم في ربوع محمية طبيعية في منطقة نيدرراين في ولاية نوردراين فستفالن قرب بلدة نتِّتال والمطلة على بحيرة كركنبكر، كما وردت في موقع صحيفة (راينشِ بوست أونلاين/ RP Online)، وموقع مجلة فوكس (Focus) أيام الخامس من آب والتاسع والعاشر منه).

ليس في رغبة «طويل العمر» أي أمر غريب، فهو في حاجة مستمرة إلى الراحة واستعادة قواه «إن لجسدك عليك حقاً» بعد قضاء أشهر طوال في حساب الصفقات والعمولات الماضية والجارية والمستقبلية، التي ستحدد وجهة تطور «الدولة» ــ المدينة. وأن يختار محمية طبيعية في قلب أوروبا أمر طبيعي أيضاً، حيث من المستحيل العثور على موقع مماثل في غابات الاسمنت في دبي، مع أننا كنا نتوقع تفضيل شيوخ الخليج الفارسي قضاء السِران في ربوع «الأم الحنون»، حيث مشيخاتهم كافة أكان اسمها إمارة أم دولة أم مملكة أم سلطنة، ليست أكثر من دائرة في وزارة الخارجية البريطانية.
على أي حال، المشكلة تكمن في أن قوانين المحميات الطبيعية في ألمانيا تمنع إشعال النيران فيها، و«طويل العمر» طلب من الشركة المعدة للسِران والمنفذة له واسمها إِيفنت أجنتور (Event Agentur) ضمان شيّ اللحوم. طلب السماح جاء في رسالة مباشرة من سفارة دولة الإمارات في برلين إلى وزارة الخارجية الألمانية.
الآن قد «يتوهم» مشكك في أن سبب منح مجلس المدينة الإذن لسِران «طويل العمر» هو المال! لكن رئيس بلدية البلدة نفى ذلك، مع تأكيد الصحيفة أن ثروة الشيخ الشخصية تبلغ نحو 12 ألف مليون دولار!
عندما بدأت الشركة المتخصصة بإعداد متطلبات «طويل العمر»، تبيّن لها عدم توافر أيدٍ عاملة كافية لإنجاز واجباتها ضمن المدة المحددة في العقد، فاتصلت برئاسة بلدية فيرزن القريبة، طالبة المساعدة في توفير أيدٍ عاملة. ولأن سلطان رأس المال لا حدود له، اتصلت بلدية فيرزن بمأوى لاجئين يضم سوريين وعراقيين وأفغاناً، طالبة توفير عمال منهم للشركة. المسؤولون عن مأوى اللاجئين سألوا النزلاء إن كان بينهم متطوعون لعمل ما لم تفصح عنه، فاستجاب أكثر من عشرة أفراد، وهو العدد المطلوب، من سوريا والعراق، إذ رأوا في الطلب مناسبة لتغيير ملل الأجواء القاتمة التي يعيشونها في المأوى المؤقت منذ نحو ثلاثة أشهر.
وللعلم، القانون الألماني لا يسمح لأي أجنبي كان، بالعمل من دون إذن من مكتب العمل ومن دون تأمين صحي حمايةً للمستخدم من إصابات العمل التي قد تحدث في أثنائه إلا بقرار استثنائي خطي. قام مجلس المدينة بـ«شحن» العمال السوريين والعراقيين المتطوعين صباحاً إلى الشركة، حيث أنيطت بهم مهمة «تعتيل» تجهيزات السِران وبناء الخيم.
ما إن بدأ «طويل العمر» وبطانته المكونة من 25 شخصاً بإشعال النار لشيّ اللحوم في الهواء الطلق ودرجات حرارة 32 درجة مئوية في الظل، حتى انطلقت احتجاجات بما أن ذلك ممنوع بحكم قانون حماية البيئة، لكن مجلس المدينة قرر منح «طويل العمر» استثناءً، مع التركيز على أنه لم يحصل على أي مبلغ مقابل ذلك الإذن!

لم يعلم العمال «المتطوعون» بأن عملهم هو لخدمة محمد بن راشد وبطانته

موكب «طويل العمر» المكوّن من عشر سيارات وثلاث سيارات شرطة مرافِقة، وصل إلى الموقع بعد ساعة ونصف ساعة من انتصاف نهار يوم 21 تموز المنصرم متأخراً نحو ساعتين عن الموعد. السِران استمر 75 دقيقة، أما تربة موقع السِران فكانت جافة لدرجة تحولها إلى رماد، وتنذر باشتعالها في حال حصول أي طارئ.
السِران أثار موجة انتقادات بين هيئات المحافظة على البيئة، إلى جانب إبلاغ المسؤول الأول عن المنطقة مجلس الانتخاب بمشروع السِران عبر البريد الرقمي، لكنه امتنع عن إبلاغ سكان البلدة وأخذ رأيهم. كما تبين أن مجلس البلدة لم يتقدم بطلب سماح استثنائي للسِران في محمية طبيعية.
وتساءل المسؤول الأول في البلدة، هايو سيمنز ما إذا أُلزم العمال، الذين لم يتقاضوا أي أجر مقابل عملهم، أي أنهم استخدموا سُخرةً، بتفكيك خيم «طويل العمر»، وإن تم تأمينهم صحياً وفق قوانين الدولة الألمانية، إضافة إلى الاستفهام عن كيفية السماح للاجئين بالعمل من دون إذن عمل.
الفضيحة الأكبر في هذا الأمر، أن الشركة ومسؤولي مأوى اللاجئين المؤقت لم يخبروا العمال السوريين والعراقيين «المتطوعين» بأن عملهم هو لخدمة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وبطانته، وعندما علموا من الصحافيين بالحقيقة أبدوا استياءهم من إخفاء ذلك عنهم. صحيفة «راينِشِ بوسْت» نقلت عن أحد اللاجئين السوريين، واسمه رشوان محمد، قوله، نيابة عن زملائه: «لو كنا نعرف أن العمل لخدمة شيخ إماراتي لكنّا رفضناه». السبب، وفق الصحيفة، أن مشيخات الخليج رفضت استقبال أي لاجئ سوري أو عراقي، لكن الأسباب الحقيقية لم تشر إليها الصحيفة، التي لم تذكر إن قام «طويل العمر» رئيس وزراء دولة الإمارات ووزير دفاعها وبطانته بمشاهدة التلفزيون للتفرج على الخراب والدمار والإبادة التي تلحقها قوات دولته وأموالها وحلفاؤها في اليمن وليبيا وسوريا والعراق، ما يضفي على السِران «متعة» إضافية.
احتمال قوي أن شيخ دبي وحاكمها لم يعلم أن لاجئين سوريين عملوا سخرةً ومن دون أي تأمين صحي، في مخالفة صريحة لقوانين العمل في ألمانيا، ولذا نجد أن تعليقات القراء الألمان الغاضبة انصبت على الدولة الألمانية وكيفية معاملتها للاجئين، لكن من دون استثناء صب قارئ اللعنة عليها لأنها سمحت لشيخ لم يكمل المدرسة بمعاملتها على هذا النحو.
يبدو أن القراء لم يسمعوا بمقولة «Money makes the world go round».
ومن المؤكد أن «طويل العمر» لن يسمع بهذه الحقائق لأن أحداً من بطانته لن يجرؤ على إعلامه بها.