لم تتوقع الحاجة الفلسطينية ندى عودة (أم صقر)، من بلدة قصرة، جنوب شرق نابلس، أن يكون الذي يقود الجرافة العسكرية للعدو الإسرائيلي ويغرس أنيابها في أرضها، هو شاب فلسطيني من قرية مجاورة. الصدمة نفسها ارتسمت على وجوه العشرات من أهالي البلدة الذين انتفضوا للدفاع عن أرضهم وحمايتها من المستوطنين والجنود.

بدا ذلك الشاب متوتراً لا يقوى على الكلام، وسط الغضب الذي انفجر من حوله، فيما كان جنود العدو يحاولون أن يردعوا الأهالي عن الوصول إليه. ولم يكن يملك الكثير من الكلام ليبرر موقفه، فاكتفى بأن أوقف الجرافة في مكانها وغادر المكان بسرعة.
في اليوم الثاني تكرر المشهد، ولكن مع مفارقة بسيطة: أتى الجنود بسائق عربي من داخل "الخط الأخضر"، فيما لم يتردد الأخير ــ في سلوك يرفضه فلسطينيّو الـ48 ــ في شهر سلاحه وإطلاق النار على جمهور أهالي قصرة.
لكن أهالي البلدة المتاخمة لمستوطنة "مجداليم" المقامة على مدخلها، لم يهتموا لرصاصات ذلك السائق، وانقضوا على الجرافة العسكرية وحطموا زجاجها، قبل أن يفزع جنود العدو ويجبروا الأهالي على ترك المكان بعد إعلانه "منطقة عسكرية مغلقة".
ظاهرة عمل الفلسطينيين داخل المستوطنات التي أقيمت وتقام في الأراضي المحتلة عام 1967 ليست جديدة، لكن اللافت هو تنامي هذه الظاهرة وازدياد أعداد العاملين فيها، بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة التي توصلهم إلى طرق مسدودة، فضلاً عن غياب السلطة عن تقديم حلول لهم.
والعمل في المستوطنات لا يحظى بقبول شعبي عام، على عكس العمل داخل فلسطين المحتلة، الذي كان سبيل العيش الوحيد للفلسطينيين قبل مجيء السلطة الفلسطينية عام 1948. كذلك تتباين الأرقام حول عدد العاملين في مستوطنات العدو. فوفق "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني"، عدد العاملين في المستوطنات وفلسطين المحتلة مجموعين تجاوز 105 آلاف حتى نهاية 2014.
ويتوزع العاملون الفلسطينيون في المستوطنات على أربعة قطاعات رئيسية: البناء، يعمل فيه ما نسبته 55%، وعددهم يصل إلى نحو 11 ألفاً، والقطاع الزراعي، وهو قطاع موسمي يعمل فيه حوالى 6 آلاف شخص غالبيتهم من النساء، أما القطاع الثالث فهو الصناعة، ويتركز في منطقة سلفيت والخان الأحمر، لكون المستوطنات المقامة هناك صناعية، ولا يتجاوز عددهم ثلاثة آلاف، والقطاع الأخير الخدمات، وهو الأصغر.
لكن مصادر نقابية فلسطينية لفتت إلى أن عدد العاملين في المستوطنات أعلى بكثير من الأرقام الرسمية، وقد يتجاوز وحده سقف 40 ألف فلسطيني، منهم نحو 30 ألفاً حاصلين على تصاريح عمل من العدو.
ويدرك العاملون في المستوطنات أن عملهم غير مرغوب فيه وطنياً، ولكنهم تحت سيف الحاجة لا يأبهون بجلّ التحذيرات التي تطلقها السلطة (كالتهديد بالاعتقال وبالغرامات)، وذلك بغض النظر إن كانت شكلية أو لا، خاصة أنه ثمة 38 ألف فرصة عمل هي حاجة أراضي السلطة سنوياً، لكن ما توفره الحكومة ومعها القطاع الخاص لا يتجاوز ثلث هذا الرقم، فضلاً عن إقرار مبلغ 1450 شيقلاً (ما يعادل 380 دولاراً) كحد أدنى للأجور في الأراضي الفلسطينية، وهو مبلغ لا يغطي احتياجات الأهالي، خاصة في الضفة.
لكن مقارنة بسيطة تبين أن متوسط أجر العامل في أراضي السلطة يبلغ نحو 2400 شيقل شهرياً (630 دولاراً)، فيما متوسط الدخل للعمل في المستوطنات يصل إلى نحو 3500 شيقل (920 دولاراً)، كذلك يصل متوسط الدخل داخل فلسطين المحتلة إلى نحو 7 آلاف شيقل (1830 دولاراً). مع ذلك، أجر الفلسطينيين في المستوطنات، مع أنه أعلى من أراضي السلطة، يبقى أقلَّ من نصف الحد الأدنى للأجور في إسرائيل.

أجور المستوطنات أفضل من أجور أراضي السلطة، وأجور الـ48 الأعلى

رغم هذه المقارنة، فإن الطريق إلى المستوطنات والداخل المحتل ليست معبّدة بالورود، بل إن رحلة العامل الفلسطيني محفوفة بالمخاطر وبالإذلال، سواء بإجراءات العدو على حواجز التفتيش أو بالملاحقة من شرطة العدو والكلاب البوليسية، مروراً باستغلالهم كأيد عاملة رخيصة الأجر، وتخفيض قيمة أجورهم واستحقاقاتهم، فضلاً عن أن السجل الإسرائيلي حافل بعشرات الجرائم الدموية التي ارتكبت بحق العمال، مثل مجزرتي عيون قارة وترقوميا.
ويجب على أيّ عامل فلسطيني يريد العمل هناك أن يخرج من منزله قبل بزوغ الفجر، وإذا لم يقرر دخول مسار الذل على معابر الاحتلال، فعليه أن يخوض مسار التهريب المحفوف بالمخاطر، كالقفز عن جدار الفصل العنصري، أو التسلل عبر الثغر المنتشرة على طول الحدود المفروضة... أو أن يقع ضحية ابتزاز سماسرة التهريب.
وينظر المراقبون بخطورة بالغة إلى العمل داخل مستوطنات العدو أكثر من العمل في فلسطين المحتلة، لأن في ذلك ترسيخاً لوجودها على حساب الأرض الفلسطينية، أو أقله الوجود السكاني في المناطق المصنفة (ج) في اتفاق أوسلو، وتبلغ مساحتها 60% من مجمل الضفة، وجميعها تقع تحت السيطرة العسكرية والمدنية الاسرائيلية. وتلك المستوطنات عصب وجودها متمثل في الاستغلال الاقتصادي للأرض الفلسطينية المحتلة بمقدراتها، وللفلسطينيين.
ومن أوجه الاستغلال الاستيطاني مصادرة مساحات واسعة من الأراضي، وتدمير الممتلكات الفلسطينية لاستخدامها في أغراض إنشائية وزراعية، ونهب الموارد المائية، وأيضاً الاستيلاء على المواقع السياحية والأثرية، واستغلال المحاجر الفلسطينية والمناجم والموارد الطبيعية المتجددة منها وغير المتجددة.
وعلى سبيل المثال، فإن مستوطنة "بقعوت" المقامة على أراضي غور الأردن، التي تستقبل العمال الفلسطينيين بأجور متدنية، تحوي في جنباتها مشاغل التعبئة والتغليف التابعة لشركة "ميهادرين"، التي هي أكبر مصدّري الخضر والفواكه الإسرائيلية إلى الاتحاد الأوروبي.
لكن، أمام انعدام البدائل وغياب قرار فعال لمواجهة ظاهرة العمل في المستوطنات مع رفض رسمي لخيار المقاومة، تزداد أعداد العمال في المستوطنات، فيما تنخفض حصة المنتج الفلسطيني في السوق المحلية المستباحة من المنتج الإسرائيلي، خاصة أن الدراسات تشير إلى أن زيادة حصة المنتج الوطني في السوق المحلية بنسبة 5%، من شأنه أن يوفر عشرات الآلاف من فرص العمل.
أخيراً، لا شيء يمكن شرحه للعالم الذي تروّج فيه نشاطات مقاطعة بضائع المستوطنات في حال عمل الإسرائيليون أو وكالات الأنباء على تظهير قضية عمل الفلسطينيين المجبرين على ذلك في المستوطنات.