تدلّ مؤشرات الميدان الحلبي على أنّه مُقبل على اشتعال كبير. حالة المراوحة السائدة بعد نجاح المسلحين في إحداث ثغرة تصل الريف الجنوبي بالأحياء الشرقية للمدينة ثم إقفالها بالنار لا تناسب حسابات الفريقين المتصارعين.

فالمسألة تتعدى السيطرة على منطقة يُمكن غض النظر عنها بالمعنى العسكري: المعارضة تريد طريقاً صريحاً بين المدينة وريفها، بينما الجيش السوري والحلفاء يعملان على تثبيت إنجاز «الطوق» وإبعاد الخطر الكلي عن المدينة.
هذه الرؤية لا تتناسب مع أي حديث عن هدنة طويلة الأمد، أو أي حراك سياسي أممي أو إقليمي يُجري الحسابات تبعاً للبيدر الحلبي كما هو اليوم.

لن يُسمَع اليوم في حلب أي صدى لحراك الخارج

كذلك لا يعبّر الانفراج في العلاقة التركية ــ الروسية عن أي تغيير في مسار «معركة حلب». جملة عوامل تجعل الميدان الحاكم الرئيسي للتوازنات في المنطقة، وميزان الربح والخسارة يقوم على حساب النتائج على الأرض.
وفي هذا السياق، تأتي زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لأنقرة أمس. فالتعويل على تقارب ما في الموضوع السوري سابق لأوانه، وفي الحد الأقصى يأتي ممثل الدبلوماسية الإيراني للتشديد أولاً على وقوف بلاده إلى جانب «الشرعية» ضد «الانقلابيين» والبحث عن وسائل لتقوية علاقة الجانبين، وهذا ما تطلبه أنقرة أيضاً. على الصعيد السوري، تأتي الزيارة في هذا التوقيت لاكتشاف ملامح الهامش الجديد الذي قد تتحرّك فيه تركيا تحت السقف الأميركي بالطبع. هذا الهامش وحجمه قد يكونان عاملاً مساعداً في إيجاد أرضية مشتركة في ملفات عديدة.
لكن، رغم الحراك على خط موسكو ــ أنقرة ــ طهران والأجواء الإيجابية المبثوثة بين العواصم، يدور صراع من نوع آخر في عاصمة الشمال السوري.
هناك تختلط «الأرضية التركية» الموجودة أصلاً دون الحاجة إلى رعاية دائمة إلى جانب الرياض وواشنطن في جهة المجموعات المسلحة، وأي كلام عن استدارة تركية هو أوهام تحتاج إلى عوامل مادية لكي تصبح حقيقة. فأنقرة لن تخلي ساحة خلفية تُشغلها ببساطة، لا بل منطقة تعتبرها جزءاً من أمنها القومي.
التغيير الممكن الإضاءة عليه هو ما ظهر من الحدود التركية ــ السورية منذ ليل أول من أمس. فقد علمت «الأخبار» أنّ السلطات عمّمـت على الموظفين على الحدود منع دخول السيارات (مثل «البيك آب») التي تستخدم لتثبيت الرشاشات الثقيلة عليها، خصوصاً من ناحية معبر باب الهوى على الحدود مع محافظة إدلب، فيما القرار يختلف من جانب معبر باب السلامة في ريف حلب الشمالي حيث ترى فيه أنقرة جبهة ضد «داعش» و«وحدات حماية الشعب» الكردية أيضاً.
هذا «الرسالة» التركية تأتي ضمن خطوط عريضة اتفق عليها مع الجانب الروسي منذ بدء تطبيع العلاقات، لكنه فعلياً لا يعد أكثر من بادرة حسن نية أمام طرف واظب خلال شهور على القصف العنيف لنقاط حدودية بين سوريا وتركيا، خصوصاً للشاحنات المحمّلة بالنفط والمساعدات للمسلحين.
ما حصل هو فرض أمر واقع في الميدان من جانب دمشق وحلفائها أجبر الفريق المقابل على التراجع في الاشتباك السياسي. وتركيا «ما بعد الانقلاب» لن تُشبه مُكابرة رجب طيب أردوغان السابقة، لكنها حتماً ستظلّ عضواً أساسياً في حلف شمال الأطلسي وأميركية الهوى.
وفي العودة إلى الحراكات الدبلوماسية المكوكية على خط الأزمة السورية، تُفصح السنوات الماضية عن عشرات اللقاءات التي بشّرت بقرب الحل السياسي وبمناخ دولي وضع أسساً مشتركة لإنهاء الحرب السورية. أما عملياً، إلى جانب المسار الدبلوماسي، فكان الميدان المشتعل يُفشل لقاءات ويلغي أخرى، لتعود على أساس النتائج التي يُفرزها.
واليوم في حلب، لن يُسمع أي صدى لحراك الخارج. الطرفان يستعدان لخوض جولة قتال جديدة ستكون ضارية، وسيكون وقعها أساس أي مسار سياسي مُقبل.
فالحشد والحشد المضاد يتواصلان، والمؤشرات تدل على اقتراب موقعة يريدها الطرفان شبه حاسمة لمسار المعركة في المدينة وريفيها الجنوبي والغربي.
هذا «الحسم» لن يشكّل نهاية الحرب، لكنه سيكون أحد أهم المفاصل التي سترتكز عليها المراحل اللاحقة، ميدانياً وسياسياً.


كلام صورة
المؤشرات تدل على اقتراب موقعة يريدها الطرفان
انسرت
لن يُسمَع اليوم في حلب أي صدى لحراك الخارج