منذ تولي وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، منصبه، استطاع إثبات تمايزه عمن سبقه، وخاصة أنه سبق أن رفع سقف انتقاداته لحكومة بنيامين نتنياهو في ما يتعلق بسياساتها إزاء الفلسطينيين. بل سعى مراراً إلى تقديم نفسه كشخصية قيادية تملك حلاً عملانياً ينطوي على حلول فعلية للواقع الأمني في إسرائيل. نتيجة ذلك، شكل تولي ليبرمان حقيبة الأمن تحدياً عملياً وشخصياً يمكن أن يُقوِّض أو يُعزِّز صدقيته بصفة أنه زعيم يميني يُفترض أنه يملك «عصا سحرية» للتحديات الأمنية. لكن، رغم تأكيده أن الخطة تهدف إلى «تغيير الواقع السياسي والأمني القائم في هذه المناطق وجلب الأمن للمستوطنين اليهود والسكان الفلسطينيين على حدّ سواء، وبكلفة 400 مليون شيكل»، لا مبالغة في التقدير أن الخطة التي طرحها لا تنطوي على جديد نوعي، كونها تقوم على أساس «العصا والجزرة». وهي سياسة اتبعتها إسرائيل دوماً، وتحديداً في ما يتعلق بالعقاب الجماعي الذي تفرضه على القرى الفلسطينية والتضييق عليها في الطرقات وسبل العيش.

ليبرمان وجد نفسه مضطراً إلى اجتراح خيار عملاني، بعدما أدرك القيود التي تفرضها معطيات الواقع على صانع القرار السياسي والأمني، وخاصة عندما يواجه التحدي من موقع المسؤولية لا من المراقب، الذي يمنحه هامشاً أوسع في الانتقادات والاقتراحات. ويمكن الجزم بأنه لمس باحتكاكه المباشر مع قادة الأجهزة الأمنية أن سياسة الإحباط العملاني غير ذات صلة في مواجهة هذا النمط من المقاومة الشعبية، وهو يدرك مسبقاً أن لا واقعية لخيارات استئصال جماعي، عندما يتعلق الأمر بالضفة التي تحتلها إسرائيل، باعتبار أن أجهزتها الأمنية والعسكرية قادرة على الدخول إلى أي بلدة أو مدينة فيها، وهو ما يميز الوضع عن قطاع غزة الذي يمكن استهدافه بطائراتها ومدافعها.
ما بين هذين الحدّين، اندفع ليبرمان مضطراً، ومدفوعاً باعتبارات الحفاظ على الصدقية السياسية والشخصية، إلى اجتراح خيارات تتلاءم مع الخيار السياسي الرسمي القائم على «إدارة النزاع لا على حله»، والمستند إلى محاولة تحقيق أكبر قدر ممكن من الأمن. وفي هذا السياق، يلاحظ أن الخطة التي طرحها ليبرمان تقوم أيضاً على اعتبار رئيس السلطة الفلسطينية مشكلة لا حلاً.

لا واقعية لخيارات استئصال جماعي عندما يتعلق الأمر بالضفة المحتلة

على ضوء هذه «المبادئ ــ القيود»، تبلورت خطة ليبرمان، التي أكد أنها تقوم على أساس مبدأ «العصا والجزرة» كونها تعتمد على تقديم حوافز اقتصادية لبلدات فلسطينية لم ينطلق منها مقاومون فلسطينيون، وفي المقابل تشديد الإجراءات العقابية ضد البلدات التي انطلق منها ما سماهم «الإرهابيون». بتعبير آخر، عرض وزير الأمن خطة تقسم الضفة إلى «مناطق ساخنة»، أشير إليها باللون الأحمر، مقابل «مناطق باردة» أشير إليها باللون الأخضر، وهي التي يسود فيها قدر من الهدوء.
ضمن هذا العنوان، يمكن القول إن ليبرمان قد يحاول التمايز برفع مستوى التنكيل بالمدنيين الفلسطينيين، واعتماد سياسة أكثر عدائية، وخاصة أنه يرى في كل عمل مقاوم ناجح تقويضاً لخياراته السياسية وصدقيته الشخصية، فضلاً عن مفاعيله على المستوى الأمني والسياسي.
ويأتي هذا الطرح الإسرائيلي المتجدد بعد استنفاد الكثير من الخطط والمشاريع السابقة، وفق مبدأ أن من لديه استعداداً للتعايش مع الاحتلال، ووفق تعبير ليبرمان مع إسرائيل، «سيربح». وهو ما يفتح باب التساؤل عما سيجنيه شعب يرزح تحت الاحتلال إن تخلى عن خيار المقاومة. مع ذلك، أوضح الوزير المتطرف سقف الطموحات للذين لا يكون لهم دور في المقاومة، عندما أعلن وجود 15 قرية وبلدة في مناطق (ج)، في الضفة، لم ينطلق منها منفذون للعمليات، ستحظى بمكافأة منحها عدداً من الامتيازات المتمثلة بتسهيلات فورية، وتوسيع خرائط هيكلية لعدة قرى في وسط الضفة ولمدينة قلقيلية، وإقامة ممر اقتصادي بين أريحا والأردن، ومنطقة صناعية غربي نابلس ومستشفى في بيت ساحور، وروضات أطفال وملاعب رياضية وسط الضفة»... وبالتأكيد كل ذلك مع بقائها تحت الاحتلال.
في المقابل، توعد ليبرمان بأن من يؤيد خيار الانتفاضة والمقاومة «سيخسر»، متجاوزاً حقيقة أنه لا خسارة أكبر من تلك الناجمة عن أصل الاحتلال ومفاعيله على المستويات كافة. ووفق قوله «ستزداد وطأة العقوبات المفروضة على البلدات التي يخرج منها إرهابيون، وستُسحب منها تصاريح العمل (في إسرائيل)، كما ستُسحب امتيازات من قياديين فلسطينيين يؤيدون الإرهاب».
في السياق، كشف ليبرمان عن نيته إنشاء موقع إخباري إلكتروني، تحت إشراف منسق شؤون الحكومة الإسرائيلية في المناطق، يوآف مردخاي، يتوجه به مباشرة إلى السكان الفلسطينيين، كما يضع قائمة بأسماء شخصيات أكاديمية ورجال أعمال ستجري إسرائيل اتصالات مباشرة معهم، في خطوة تهدف إلى تجاوز السلطة ورئيسها محمود عباس، الذي وصفه بأنه عقبة أمام إمكانية التوصل إلى أي تسوية.
كذلك تطرق ليبرمان إلى قضية احتجاز إسرائيل جثامين الشهداء الفلسطينيين خلال موجة أعمال العنف الأخيرة في الضفة، وشدد على معارضته إعادتها إلى ذويهم، ومبدياً استعداده للمثول أمام «المحكمة الإسرائيلية العليا» للدفاع عن موقفه. كما هاجم وزارة الأمن الداخلي التي قررت أخيراً إعادة الجثامين من شرقي القدس، وأكد أن تبني هذه الوزارة سياسة مغايرة لوزارة الأمن بهذا الشأن «أمر مثير للسخرية»، وأنه سيطرح هذا الموضوع في أقرب اجتماع للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية.
تعقيباً على ذلك، قال المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية، أفيحاي مندلبليت، إنه لا يوجد مبرر أمني لرفض إعادة جثامين الفلسطينيين إلى ذويهم. ودعا مكتب مندلبليت إلى ضرورة درس وسائل عقاب أخرى، مثل تقييد عدد المشاركين في الجنازات وتحديد توقيتها ومكان الدفن.