بين مبنى المصرف المركزي الضخم المطل على ساحة «السبع بحرات»، ومبنى وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية الحديث، والمطل بدوره على ساحة يوسف العظمة (المعروفة شعبياً بساحة المحافظة)، مسافة قليلة لا تحتاج من المرء لتجاوزها مشياً على الأقدام الى أكثر من عشر دقائق، إلا أنها مع التشكيلة الحكومية الأخيرة قد يكون لها تأثير بالغ في تغيير وجه الاقتصاد السوري خلال الفترة المقبلة.
السرية التي كانت تحميه كحاكم «المركزي» لم تعد قائمة اليوم

فخروج الدكتور أديب ميالة من منصبه كحاكم للمصرف المركزي بعد أحد عشر عاماً، سيترك دون شك أثره المباشر على طريقة إدارة السياسة النقدية، التي كانت خلال سنوات الحرب محل انتقادات شديدة، وكثيراً ما كانت تتهم بأنها سياسة شخصية أكثر من كونها سياسة حكومية، تتعاون على تنفيذها الوزارات والمؤسسات المعنية، لكن أن يكون «ثمن» خروج ميالة من المصرف المركزي تعيينه وزيراً للاقتصاد والتجارة الخارجية في حكومة عماد خميس، فهذا يعني أن الرجل سيبقى له تأثير وفعل في السياسة الاقتصادية للبلاد، سواء بطريقة إدارته لملفات الوزارة، أو عبر علاقاته مع المسؤولين الآخرين عن الملف الاقتصادي. إنما في المقابل سيكون «تحت الضوء» أكثر فأكثر، ففي وزارة الاقتصاد لن يكون باستطاعة الرجل الضغط على وسائل الإعلام المحلية، لمنع نشر ما يتعارض مع قراراته وإجراءاته بحجة عدم الإضرار والتأثير بسعر صرف الليرة، ولن يكون باستطاعته أيضاً التهرب من الإجابة عن تساؤلات الوسط التجاري، وهذا ما يذهب إليه الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة دمشق الدكتور شفيق عربش، الذي يؤكد أن «السرية التي كانت تحيط بعمل المصرف المركزي وتحميه كحاكم سابقاً، لم تعد موجودة اليوم، وخاصة في ضوء العلاقة التي يفرضها المنصب الجديد مع مجتمعات الأعمال الكبيرة، لذلك فإن آثار قراراته، سواء كانت ايجابية أو سلبية، ستكون سريعة ومنظورة من معظم الناس، وتالياً فهناك حكم مباشر».
فقدان «الحصانة» قد يكون مؤثراً لدرجة ما، إلا أن الأكثر تأثيراً يتعلق بقدرة الرجل على تغيير الصورة الذهنية المرتسمة في أذهان الناس حياله، وهنا تتباين الآراء، بين متفائل على الصعيد الرسمي، ومتشائم على الصعيد الشعبي، إذ يؤكد مصدر في تصريح لـ«الأخبار» أن ميالة «قدم لرئيس مجلس الوزراء تصوراً أو خطة عمل طموحة، تتضمن العمل على إحياء دور وزارة الاقتصاد وتوسيعه، بحيث لا يكون عملها محصوراً بملف التجارة الخارجية، وإنما تفعيل عمل جميع مؤسسات الوزارة لتكون قادرة على تحقيق إيرادات جيدة سنوية، وخدمة الاقتصاد الوطني». ويضيف المصدر أن ميالة «سيكون حريصاً على تحقيق نتائج ايجابية بغية المحافظة على ما يعده نجاحه الأخير في خفض سعر صرف الدولار من 650 ليرة إلى عتبة الـ500 ليرة للدولار الواحد».
هنا يشكك عربش بإمكانية حدوث ذلك، فالوزير الجديد «لا يملك رؤية واضحة عن دور وزارة الاقتصاد في المرحلة المقبلة، وإذا كان يملك بعضاً من المقترحات أو وجهات النظر في هذا المجال، فهو لا يملك أو غير قادر على إعداد خطة تضع هذه المقترحات والرؤى على سكة التنفيذ الصحيحة». بدليل تسرعه «بإصدار التعليمات التنفيذية لقانون التشاركية، وهذا القانون من أخطر القوانين التي سوف تؤثر في البلاد، لأن هذه التشاركية في جوهرها ليست سوى عملية غسيل أموال لبعض الأشخاص، الذين استغلوا الظروف الصعبة لتكديس ثروات هائلة، ويبحثون عن نافذة يدخلون من خلالها إلى مجتمع الأعمال، دون أن يسألوا عن مصدر أموالهم».
تأثير ميالة في مسيرة الاقتصاد السوري لا تستند فقط إلى خطته كوزير للاقتصاد والتجارة الخارجية، ونتائجها الإيجابية أو السلبية، وإنما إلى تعيينه رئيساً للجنة الاقتصادية في مجلس الوزراء، وهو المنصب الذي كان عادة من نصيب وزير المالية، وهو ما سيتيح له التدخل بشكل مباشر في مختلف السياسات والقرارات الاقتصادية، بما في ذلك «عودته للتدخل في طريقة إدارة السياسة النقدية بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا قد يجعل الخلاف القديم الجديد، بينه وبين حاكم المصرف المركزي الدكتور دريد درغام، يطفو على السطح مجدداً، وتالياً التأثير على واقع سعر صرف الليرة».

الإنتاج والاستيراد

لا يُحسد ميالة، وحكومة خميس مجتمعة، على المهمات المطلوبة إنجازها في الملف الاقتصادي وخلال وقت قياسي، وفي ظل تركة ثقيلة جداً تركتها الحكومة السابقة، إنما يتفق الاقتصاديون ورجال الأعمال على أن إعادة عجلة الإنتاج للدوران تمثل أولوية مطلقة، ومعياراً رئيسياً للحكم على أداء الرجل والحكومة معاً. وكما يعتقد عضو مجلس إدارة اتحاد المصدرين إياد محمد فإن «منع استيراد السلع غير الأساسية التي لا تدخل في خانة الإنتاج هو المنطلق الأساسي لتحريك عجلة الإنتاج». ولذلك فإن اتحاد المصدرين السوريين يعلق آمالاً على الوزير ميالة «لمتابعة دعم تشجيع التصدير»، ويرى محمد أنهم في الاتحاد «يشجعون العمل على ترشيد الاستيراد الذي جرى الإعلان عنه»، متحدثاً عن «إدارة صارمة للوزير ميالة نتابعها عن كثب».
على المقلب الآخر، يتحاشى التجار العاملون في مجال الاستيراد الدخول في أحاديث إعلامية عن توقعاتهم لمستقبل العمل الاقتصادي في ظل إدارة الوزير ميالة، وفرص نجاحه في معالجة الخلل البنيوي الكبير الذي باتت تعانيه التجارة الخارجية، ومبررهم في ذلك الخوف من تأثر أعمالهم. وبحسب عضو في غرفة تجارة دمشق فضل عدم ذكر اسمه فإن المطلوب من الوزير الجديد تأسيس نهج ثابت لإدارة شؤون التجارة الخارجية، ووضع معايير واضحة وشفافة في منح إجازات الاستيراد، تنهي مرحلة تدخل العوامل الشخصية والمحسوبيات والاحتكار، ولتفتح المجال للمنافسة وتحقيق العدالة. ويضيف في تصريح لـ «الأخبار» أن التحدي الأساسي أمام ميالة هو في إعادة النظر بسياسة ترشيد الاستيراد وآليات تطبيقها، إذ إن الاستمرار في هذه السياسة يعني استمرار التهريب، وتالياً الضغط على سعر الدولار في السوق المحلية، فالسلع والبضائع ستدخل إلى الأسواق المحلية إما بشكل نظامي أو تهريباً، ويشير في هذا السياق إلى معلومات تتحدث مثلاً عن وصول آلاف الأطنان من مادة الشعير إلى مرفأ مرسين بتركيا، تمهيداً لنقلها إلى الشمال السوري، ومنه إلى الأسواق المحلية، وهذا للأسف هو حال كثير من السلع والبضائع الممنوع أو يعرقل استيرادها.
ولذلك لا بد، وبحسب الوسط التجاري، من معالجة أسباب ارتفاع ظاهرة التهريب عبر: أولاً إعادة النظر بأسعار الرسوم الجمركية المرتفعة والتكاليف المنظورة وغير المنظورة التي يضطر التاجر والمستورد لدفعها، وثانياً عبر دراسة جديدة وجدية لنتائج تطبيق سياسة ترشيد المستوردات، واتخاذ قرارات تخدم الواقع الاقتصادي بكليته.