"إذا معاك عشرين شيقل نصاص مستعد اشتريهن منك بـ21 شيقل"، معادلة جديدة شرع جاري أبو علي، صاحب سيارة أجرة، بعرضها عليّ صباح ذات اليوم. فبعدما اختفت عملة "النصف شيقل/شيكل" (الإسرائيلية) من غزة، صار ضرورياً على أبو علي وزملائه الحصول على تلك المعادن المدورة النحاسية حتى يضمنوا أخذ أجرتهم كاملة من الركاب.

هذا العرض لم يقتصر عليّ، مع أنني معروف بأنني مدرس وصحافي، والمفترض أن لدي قدراً اجتماعياً معيناً، لكن ما كان يشغل أبو علي أكبر من كل ذلك، إنها الرزقة. لذلك بدأ عرضه على أطفال المخيم أولاً، ثم كل من كان يلاقيه في طريقه.
"أين ذهبت النصاص؟"، سؤال مهمّ. الإجابة ببساطة أنه مع انقطاع الألومينيوم والإسمنت والخشب والحديد و... القائمة الطويلة في حصار غزة، اختفى النحاس الذي تصنع منه تمديدات الكهرباء. والعقل الغزاوي، الذي استطاع تشغيل السيارات بزيت القلي، لن يعدم طريقة في الحصول على النحاس. من هنا بدأت عمليات شراء عملات "النص شيقل" كي تصهر هي والشمعدان الإسرائيلي المرسوم عليها (مع القيثارة)، من أجل الحصول على النحاس. وفي الوقت نفسه، إسرائيل غير مستعدة لتزويد غزة بفراطة أكثر من الحاجة المقدرة عندها.
لكنه كان نحاساً مخلوطاً بمعادن أخرى، الأمر الذي كاد يتسبب في حرائق "ربنا ستر فيها"، بعدما ذابت معظم الوصلات الكهربائية المصنعة بهذا "النحاس المنحوس"، على وصف جاري صاحب محل الكهرباء القديم في الحارة. الطريف أن أحد "المتمشيخين" في المخيم، اكتشف أن هذا "النحس" سببه الربا الذي انتشر بين الناس، والربا وفق تصوره كان بيع 20 شيقلاً فراطة بـ21 شيقلاً، أي بأعلى من قيمتها الحقيقية. أيا يكن، لم أناقشه في فتواه، ما دام جاري الكهربائي اكتشف سبب ذوبان الوصلات الكهربائية.
بعدما شاعت خبرية النحاس الذي يذوب، والتنبيه إلى تمييز الوصلات الجيدة من الرديئة، انتهت مشاريع أبو علي، الذي افتتح في سيارة الأجرة دكانة صغيرة، فإذا كانت المواصلة تكلفتها شيقل ونصف، توقع أن يرد لك أبو علي نصف شيقل على شكل، علبة محارم، أو قطعة شوكولا صغيرة، أو علبة "ليدن" (التسمية العبرية لكلمة علكة).
لم يكن أبو علي هو الوحيد الذي يعاني بسبب مشكلات العملات غير الفلسطينية كلها. أنا أيضاً كنت أطلب منه تشغيل الراديو صباحاً خلال مشوارنا اليومي الذي بتّ أحفظ طريقه وعيناي مغمضتان. الخبر الذي يعنينا قبل حالة الطقس وحركة المعابر وأحياناً قبل بعض التوغلات الإسرائيلية القصيرة، هو سعر صرف العملات.

■ ■ ■



دوماً كنت أشعر أنه يجب أن تصنع في غزة قمصان بثلاثة جيوب، حتى نستطيع أن نضع ما نجمعه من رزق بثلاث عملات غالباً، كل على حدة. فضمن خبرات الحياة التي كان الكبار يتحذلقون علينا بها، مناورات الصرافة. لا نعلم كيف وصلنا إلى ذلك، ولكننا استيقظنا مبكراً في الحياة لنجد التراتبية التالية:
- إذا كنت من الأغنياء وأردت شراء قطعة أرض، أو أحببت أن تهدي أمك أو أختك عقد ذهب، أو حلمت بليلة العمر (مهر الزواج) أو الدراسة في الجامعة، أو أردت أن تشتري غرفة نوم جديدة لعروسك، أو أحببت أن تهدي جدك أو والدك تنكة زيت زيتون، عليك أن تذهب إلى تجار تلك البضائع/الخدمات وأنت تحمل الدينار الأردني.
- إذا كنت من الأغنياء وأردت شراء شقة العمر أو سيارة حمراء جميلة، أو رغبت في شراء حاسوب بمواصفات ممتازة وأيضاً هاتف محمول "أخو أختو"، أو ركنت إلى الفضة بما أنه يحرم عليك لبس الذهب، عليك أن تحمل في جيبك الدولار الأميركي.
- إذا أردت شراء أجهزة كهربائية متوسطة أو صغيرة، أو ذهبت للتسوق في إحدى المولات التي صار افتتاحها في غزة كأنها مشاريع "ما حصلتش"، أو رغبت في تمرير معاملة حكومية في الدوائر الفلسطينية، أو حتى شراء ساندويش فلافل، عليك أن تحمل من الشيقل الإسرائيلي ما يلزم.
وسط كل تلك التفاصيل التي تغرق أمهر السبّاحين، صار علينا دخول سبَق العملات، ومراقبة أسعار "البورصة" التي لم نكن نفهم معناها وتعريفها العلمي الدقيق، من أجل متابعة أفضل سعر نصرّف فيه العملات التي نحصل عليها من مصادرها المتعددة، وإلا سيحل بنا ما حل بجارنا أبو سلامة، الذي كان يجمع تحويشة عمره بالدولار الأميركي وبالشيقل الإسرائيلي، ويوم حان عليه دفع المهر (يدفع بالدينار الأردني)، اضطر إلى تأخير كتب الكتاب، لأن سعر الصرف "قصّر" معه.
المصادر المتنوعة تلك كانت كما يلي أيضاً:
- الأونروا والمؤسسات الدولية "الأن جي أوز" وبعض المؤسسات المحلية بالدولار الأميركي.
- سلطة رام الله (فتح) وبعض المؤسسات المحلية بالشيقل الإسرائيلي.
- سلطة غزة (حماس) بالشيقل الإسرائيلي، وأحياناً بالدولار أو باليورو الأوروبي، وفق ما يصل في حقائب الأموال.
- عالم الأنفاق بالدولار وبالشيقل، وبالجنيه المصري.

■ ■ ■


لا شيء يفسر هذه الفوضى. بعض كبار العمر يقولون إن التجارات القديمة (النجار والجواهرجي والسمسار) ارتبطت بالدينار الأردني، فيما التجارات الحديثة (التكنولوجيا والسيارات) بالدولار الأميركي، والشيقل الإسرائيلي (القديم والجديد - بعض تضخم العملة) بديلاً عن الجنيه الفلسطيني الضعيف الذي انتهى باحتلال فلسطين.

■ ■ ■


عندما وصلت إلى لبنان، كان استعراض العملة الإسرائيلية سبباً لانبهار الناس هنا، واستنكار آخرين لقبولنا حملها والتعامل بها. إحدى من حملنها أوشكت على البكاء ورمتها على الأرض.
بالطبع، وجود هذه العملة في لبنان إحدى صور التطبيع، فانتظرت حتى وصلت إلى الأردن للتخلص من آخر ما بقي لدي منها (370 شيقل، ما يقارب 100 دولار). وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما بقي من جنيهات ودنانير معي، أرحت قلبي من رؤيتهما في عمان.
الآن لدينا الليرة اللبنانية والدولار الذي يمكن أن تعطيه للسائق اللبناني ويقبله منك، كأنك في إحدى الولايات الأميركية. والمهم، أنه لسبب ما لا تتغير أسعار التصريف هنا، المئة دولار تساوي 150 ألف ليرة، وحينما تريد التحويل من اللبناني إلى الدولار تزيد عليك بعض الكسور. يقال إن سبب ثبات سعر الصرف هو "شطارة" في مصرف لبنان، لكنني فهمت أن وراء كل "شطارة" هنا عملية نصب واحتيال كبرى. أما الأهم، فإنني لن أوجع قلبي بأخبار العملات وحركة المعابر، تكفي حالة الطقس وأسعار تنكة البنزين.