كم هي مُتْعِبَةٌ هذه الذاكرة. رأسي فوق الوسادة فهي ساعة النوم، لكن لماذا الآن بالتحديد يحضر درج بيت ستي؟ لماذا أطل على «حاكورتها» متمتعة بخضرة الملوخية التي لا أحبها؟ ولماذا أجد نفسي ماشيةً في الأحراج القريبة من مجد الكروم؟ لماذا الأحجار الصغيرة في تلال الجليل تتحرك بين راحتيَّ؟ ولماذا ألاحق ظل الله المتمدد بين شجيرات السرو هناك؟

هي ساعة النوم، والعقرب الذي يلسعني كلما اجتاز ثانية في عداد الوقت وصل الآن عند الثالثة فجراً. من أين أبدأ؟ أعبر الرواق آتية من «كافيتريا» الجريدة، ممسكة بيدي زجاجة ماء. باب مكتب ضحى شمس نصف مغلق، وحتى ستائر الشباك الذي لا يطل على بيروت المدينة، مثل باقي المكاتب، مسدلة هي أيضاً. ربما تكتب مقالاً، ولذلك ليس عليّ إزعاجها، أحدّث نفسي قبل أن يصلني صوتها من وراء الباب «تعي تعي لهون». فنجان القهوة والسيجارة «عدة» الحديث مع ضحى «بتسوى الدنيا» فلأدخل، أقول في نفسي، قبل أن أرى عبد الرحمن نصار، لأفكر«أكيد في مصيبة... والسيجارة راحت لأن جنابه بينزعج من الدخان».
و"المصيبة" بالمعنى الإيجابي طبعاً، فاجتماع الزميلين معاً (والذي ينقصة قاسم قاسم لتكتمل الطبخة) لا بد أن وراءه شيئاً ما.
ــ عملة فلسطينية؟
أقلب الكلمتين في فمي كمن يتذوق فاكهة محرمة، مستلذاً بها.
ــ وليش لأ؟ بكرا فلسطين بتتحرر ولازم يكون في عنا عملة.
أجاب عبد عن سؤالي الاستغرابي، الذي بدا له كأنه لا يجب أن يُسأل، أو كأن عليه أن يجزم الأمر كما يفعل دوماً، ثم أضافت ضحى بعينين واسعتين وضاحكتين:
ــ لِكْ إيه إيه عملة فلسطينية، راح نعلن إطلاق مسابقة لتصميم عملة فلسطينية يشارك فيها فنانون فلسطينيون ويتنافسون وطبعاً حَيْكون في لجنة تحكيم وهي يلّي راح تختار، وفي جوائز كمان (إذا توفقنا بالسبونسر).
لا أعرف لماذا شعرت حينها بأنني طفل صغير، يمسك في يمناه خيطاً، فيما عيناه تتابعان طائرة ورق تحلق فوق التلال. لا أعرف لماذا هبطت على قلبي سكينة كأنني فعلاً ما زلت في الجليل ألاحق ظل الله المتمدد بين شجيرات السرو!
جلست أمام شاشة الحاسوب، وبينما أنا أفكر في ما سأكتب حول عملتنا الفلسطينية المستقبلية، تذكرت أنه ليس لديّ مشكلة مع العملة الإسرائيلية، لا بل إنني لم أفكر يوماً في الموضوع على أنه مشكلة، وبات عليّ الآن أن أفتعل مشكلةً. شعرت بأنني غدرت أحدهم، اثنتان وعشرون سنة وأنا أتعامل بالشيكل من دون أدنى شعور بالخطيئة أو الذنب، وعندما أمسكت الليرة اللبنانية لأول مرة كفرت! وحتى اللحظة لا أعرف حساباتها وفي كل مرة أجدني كأنما أمسكها لأول مرة، وأعيد الحسابات مقارنة إياها بالشيكل! وحين أدفع بالدولار ويردّ لي البائع بالليرة أقف أمامه ببلاهة، سائلةً كم تساوي؟!
حسناً، العقرب اجتاز الرابعة، سئمت من التفكير في النوم. أنزل درج بيتنا، فمنزل الجدة آمن أكثر، ليس لأن هناك ملائكة تحرسه ولا لأن فيه ملجأ، بل هو مجرد الاعتقاد بأن طبقات كثيرة فوقه ستحميه من «الكاتيوشا». لا شيء قد يبدل طعم المرارة في فمي سوى حبة شوكولا من تلك التي تحتفظ بها ستي في الخزانة، فالبكاء طوال أيام عدوان تموز يعرّفك بطعم الحنظل.
ــ إنت شو عم تعملي هون؟ مش سامعة الأزعكاه (صفارة الإنذار)؟
سألت جدتي مستغربةً، فنظرت إليها كمن لم يفعل شيئاً، وكأن صفارة الإنذار في الخارج بلا معنى، وكأننا في يوم عادي تجري فيه الجبهة الداخلية تدريباً لا في يوم حرب.
ــ وإنت لشو عندك مناكير أحمر؟ لشو هالجهل؟
وجهت سؤالي للجدة، وحبة الشوكولا تتحرك بين فكيّ. أمّا ستي فقد اتسعت عيناها وبدأت بإخراج أغراضها الثمينة، وراحت تفرشها أمامي بتفاخر.
ــ هدول الليرات من سيدك شايفة شو حلوين؟ بدك عطر؟ هاد من عمك فراس جبلي ايّاه من فرنسا...
أقاطعها، فيما يدي تحطّ فوق ورقة صفراء باهتةً وتخطفها
ــ شو هاي؟!
ــ عشرة شيكل هاي كنّا نستعملها لحدّ التسعينيات
ــ ومين حضرة الأخت؟
ــ غولدا مائير.
ــ طيب اعطيني ايّاها.
ــ خدي هاي كمان ورقة، بس يلّا قومي ع الصالون هناك آمن أكثر!
احتفظت يومها بالورقتين في جيبي، متصنعة بأنني من هواة تجميع العملات النادرة وطوابع البريد، ولاحقاً عندما سافرت إلى المغرب عام 2008 أخذتها معي إلى هناك، واقتنيت لها جزداناً صغيراً مزخرفاً وخصصته لها، وعندما عدت إلى فلسطين وضعت الجزدان في صندوق أغراضي الخاص بين مجموعة عقود وأساور وحلق، وكلما سافرت إلى مكان ما حملت الصندوق معي.
الساعة تقترب من الخامسة فجراً، جسدي المتقلب فوق السرير ينتفض فجأة، ثم أجدني سائرةً في العتمة التي لم يبددها سوى الضوء الذي وقع اصبعي على زره بالصدفة. فتحت الصندوق وبدأت "أبحبش" بين الأغراض عن الجزدان الصغير حتى وجدته أخيراً. ما زالت صورة غولدا مائير على الورقتين النقديتين من فئة عشرة شيكل تختبئ بين دفتَي الجزدان المزركش. الآن فقط يمكنني العودة إلى السرير والنوم... ربما.
أنظر إلى صورة العائلة التي أضعها فوق الكومودينا، والتي كان قد التقطها لنا مصورٌ تركي، وفجاة أجدني أردد بالعبرية ما معناه «عندما تفعل يمناكَ خيراً، على يسراك أن لا تعرف بذلك أبداً»، أمّا لماذا رددتها فهو لأنني تذكرت ذلك الصبي العربي الصغير، الذي جاء يتسوّل من أمي بعض النقود في ساحة السلطان أحمد في اسطنبول، ولمّا لم تجد أمي غير أوراق من فئة المئة دولار قررت إعطاءه ورقة من فئة عشرين شيكلاً، يومها أخذ الصبي اللاجئ من إحدى الدول العربية الورقة الخضراء الغريبة وتفحّصها بعينيه، سائلاً كم تساوي بالليرة التركية؟ فأجابته أمي بأن عليه التوجه إلى الصرّاف ليعرف، لكن زوجي نهر الصغير «لك هيدي إسرائيلية الورقة كيف بتاخدها وإنت عربي؟» أمّا الصبي فركض مسرعاً إلى أقرب صرّاف.
لماذا لم أشعر مثل شعور بلال تجاه الشيكل؟ لماذا لم أشمئز منه وأرميه أرضاً مثلما فعل عندما لمسه لأول مرة؟ ولماذا أساساً أحتفظ بتلك الشريرة بين دفتَي الجزدان؟ ربما لأن الدفع بالشيكل أسهل من الدفع بالليرة ولأن الصورة التي على تلك الورقة لا تعنيني بقدر ما تعنيني قيمتها الشرائية؟ فالشيكل يعني واحداً، والمئة تعني مئة، أمّا الليرة فالألف منها يعني واحداً... كيف أشرح ذلك؟ مثلاً عندما يطرح التجار هنا بضاعتهم في العروض ويصبح سعر بنطالون 35 ألف ليرة أجدني أهرع إلى محل الثياب لأقتنيه، وعندما أعود إلى المنزل أشعر كأنني غُدرت لأنني دفعت أكثر من 70 شيكلاً، بينما في فلسطين سأدفع في «السايل» فقط 35 شيكلاً والتي هي في اعتقادي مساوية لـ 35 ألف باللبناني. وهذه بالطبع دائرة لا أعرف متى سأخرج منها.
وبينما أرسم في عقلي شكل العملة التي سيصممها الفنانون الفلسطينيون، الذين سيشتركون في مسابقة «مخيمات الأخبار»، أتخيل نفسي وأنا أمرر يدي فوق وجه غسان كنفاني، وناجي العلي، ووديع حداد، وجورج حبش، ودلال المغربي... على أوراق نقدية فلسطينية، أمّا الشعارات فأتخيّلها ستكون خيمة ترمز إلى اللجوء، أو نبتة صبار، أو حنظلة، وربما بندقية، وربما أشلاء شهداء مجرزة صبرا وشاتيلا.
لدينا أشياء كثيرة كفلسطينيين لنضعها على نقودنا، ولا أعرف إن كان الرمز أو الشكل مهماً بقدر ما إذا ستستطيع مصارف فلسطين مستقبلاً الحفاظ على سعر عملتنا أمام الدولار، والذي بصراحة لا أعرف إن كان سيبقى موجوداً عندما تعود أرضنا لنا.
العقرب يستقر فوق السادسة صباحاً، صوت المنبه المنطلق من الهاتف يعلن عن بدء نهار جديد وساعة التجهز للانطلاق إلى العمل. ولذلك ها أنا هُنا في «الأخبار»، محاولة إيجاد مشكلة مع الشيكل الإسرائيلي كي أكتب هذا النص، لكنني... لا أجد!
وبرغم انزعاجي من عدم إيجاد مشكلة، فأنا سعيدة. سعيدة لأن الأشخاص الذين اختارهم بنك إسرائيل المركزي ليضعهم على عملته لم يولدوا في «إسرائيل»!
فناتان إلترمان الذي تحتل صورته فئة المئتي شيكل (أكبر فئة) ولد في وارسو، أمّا اسحاق بن تسيفي فيساوي مئة شيكل وولد في بولتافا الأوكرانية، في حين يساوي شموئيل يوسف عجنون خمسين شيكلاً وهو مولود في غاليتسيا في أوكرانيا أيضاً، وهو ما يساويه أيضاً شاؤول تشرنحوفسكي المولود في زابوروجييه أوبلاست في أوكرانيا كذلك. أمّا موشيه شريت المولود في خيرسون فيساوي 20 شيكلاً. وفي حال أضفنا إليهم القطع النقديه على النحو الآتي: عشرة شيكل بشعار نخلة بسبعة فروع وخصلتي تمر، وخمسة شيكل بشعار تاج العمود، واثنين شيكل برمز النماء والوفرة، وشيكل واحد برمز الزنبق، ونصفه بشعار القيثارة والشمعدان، وأغورة (عُشر الشيكل) بخريطة إسرائيل الكبرى مع الشمعدان، سيصبح معنا ما يقارب 390 شيكلاً (تقريباً مئة دولار أميركي). وهذه تقريباً متوسط الأجرة اليومية التي يتلقاها أي موظف إسرائيلي! والتي يكفيه مجموعها شهرياً العيش بكرامة وعدم التفكير بلقمة الخبز.
ولذلك قد يجد وقتاً أكبر منا ليخطط للحروب والتوسع على حساب أراضينا.
ولهذا أتأمل أن تكفينا عملتنا الفلسطينية المستقبلية كفاف يومنا حتى نستطيع التمتع بأحراج الجليل.