يقف الرجل الأسمر ببزّته العسكرية على المنصّة يتلو خطاباً جماهيرياً. يغلق ويفتح عينيه مراراً فيما لا تفارق ابتسامةٌ باهتة محيّاه. «إنتو مش عارفين إنكم نور عينينا ولا إيه؟»، يُطمئن «الجنرال»، المصريين... وهو يواصل طمأنتهم منذ الثالث منذ تموز 2013.

منذ تسلّمه السلطة، لم يخلُ خطاب واحد للسيسي من ثنائية «الخوف والحماية». كان ذلك مبرّراً، بدايةً، في ضوء أحداث العنف التي شهدتها مصر، بعد عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، ثم بسبب تنامي نشاط «الإرهاب» في سيناء. نجح السيسي إلى حدٍّ كبير في تقديم نفسه كأبٍ آتٍ لانتشال أبنائه، وذلك في جلّه عبر استمالة الناس بفيض «الحنان» من كلامه، وبوعود الاستقرار بعد التركيز على الأخطار المحدقة بالبلد.
قدّم الرئيس نفسه أمام القطاعات العريضة المحافظة التي انتخبته، كـ«رجل الاستقرار الأمثل» الذي يستطيع القضاء على جماعة «الإخوان المسلمون»، والتصدي لـ«الإرهاب»، واستعادة هيبة الدولة، وفق المؤرخ خالد فهمي (الأخبار العدد ٢٩٢٨).
لكنّ المهمة الأخيرة بدت لاحقاً تتطلب تضحية المصريين «عشان مصر»، ويبدو أن لا سقف لها في خطاب السيسي. وفي مقابلةٍ حديثة، أكدت أستاذة العلوم السياسية رباب المهدي أن السيسي «الذي يجيد الظهور المسرحي جيداً»، يعوّل على الدعم الشخصي له، فهو يعتقد أن الناس مؤمنون به شخصياً، ويخاطبهم كأفراد طالباً منهم «دعم مصر» حتى لو أثّر ذلك مباشرةً في ظروفهم المعيشية.
اليوم، وفيما لا يزال الرئيس يعوّل على الرافعة نفسها، من دون إيضاح ماهية الخطر الذي يقحمه دوماً في خطاباته، يشهد البلد تدهوراً عاماً على مستويات عدة يمكن القول بضميرٍ مرتاح إنها نتيجة إخفاقات هذا الحكم، بدءاً من قضيتي التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية وتفعيل «السلام الدافئ» مع إسرائيل، وصولاً إلى الأزمة الاقتصادية التي صارت واقعاً بعد التوقيع على قرض صندوق النقد الدولي وقبول شروطه وتبعاتها الكارثية على شرائح كبرى من الشعب.
هذا التدهور يحتّم سؤالاً عن حقيقة «الخطر» الذي يتصدّى له السيسي، ومدى تأثير استمرار هذا الخطاب في جمهور الرئيس، رغم التغيرات التي تعيشها مصر، وهي تغيرات تطاول مباشرةً الحياة اليومية للأفراد.
في هذا السياق، يوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة حسن نافعة، أن خطاب الرئيس قام على فكرتين أساسيتين: «التخويف» من جماعة «الإخوان»، و«التبشير» باستعادة هيبة الدولة التي أسهم حكم «الإخوان» في إضاعتها. هذا الخطاب وجد آذاناً صاغية في البداية، وذلك لسببين رئيسيين: اقتناع قطاعات عريضة من المواطنين بأن «الإخوان» لم تكن صادقة حينما رفعت شعار «مشاركة لا مغالبة» قبل «ثورة يناير»، إلى جانب ممارساتها اللاحقة بما فيها حرصها على «أخونة» أجهزة الدولة، والثاني، يضيف نافعة، أن هذه القطاعات اقتنعت أيضاً بأن «الإخوانيين» لا يؤمنون أصلاً بفكرة «الدولة الوطنية»، ولا يقيمون وزناً لمفهوم المواطنة الذي يساوي بين جميع المواطنين من دون تمييز.

جمهور السيسي بدأ بالفعل يعارضه، أو على أقل تقدير، يتململ منه

لذلك، كان يمكن خطاباً سياسياً يقوم على فكرة «التخويف» من الجماعة وتقديم وعد استعادة هيبة الدولة أن يجد صدى إيجابياً في البداية لدى كثيرين، لكن استمرار التعاطف مع خطاب من هذا النوع تتوقف أولاً وأخيراً على قدرة صاحب هذا الخطاب على إيجاد بديل أفضل من النظام الذي أسقطته «25 يناير»، ومن النظام الذي أسقطته «30 يونيو»، وهو ما لم يحدث.
أستاذ النظم السياسية في جامعة القاهرة أحمد عبد ربه، يرى، من جهته، أن خطاب السيسي كان ولا يزال يرتكز على فكرة «المؤامرة» الذي كثف حديثه عنه كثيراً، وقد فعل ذلك للحفاظ على تكتل «30 يونيو» المفزوع من «الإخوان» آنذاك. ويبدو أنه نجح في الحفاظ على هذه الكتلة، على الأقل حتى العام الماضي.
يوضح عبد ربه أن خطاب السيسي اعتمد أيضاً بصورة كبيرة على «الإشارات الدينية»، وذلك في محاولة لسحب البساط من تحت أقدام «الإخوان»، لأنهم ادعوا أن «30 يونيو» كانت «مؤامرة على الإسلام»، كما اعتمدت خطبه على الطمأنات الاقتصادية والأمنية، وقد ألقى معظمها بالعامية المصرية من دون التزام الخطب المكتوبة في معظم الوقت.
ويلاحظ الأستاذ الجامعي أنه منذ عام ٢٠١٥ قلّت قيمة وقوة وتأثير الخطابات لسببين: الأول، أن قوة «الإخوان» تهاوت كثيراً ولم تعد مصدر خطر أو على الأقل قل تهديدها الواضح، والثاني أن الوعود الاقتصادية تبخرت سريعاً، فيما كانت سياسات السيسي الاقتصادية على الأرض هشّة تماماً.
تعيش مصر اليوم، وفق نافعة، في ظلّ ديكتاتورية مكتملة الأركان؛ النظام السياسي يهيمن عليه فرد واحد ولا تلعب فيه المؤسسات التشريعية والقضائية والإعلامية، إضافةً إلى النقابات العمالية والمهنية، أي دور مستقل عن إرادة الحاكم الفرد. أما البرلمان، فهو بمجمله موالٍ للرئيس ويهيمن عليه تحالف رأس المال السياسي مع أجهزة الأمن. والقضاء ليس في أفضل أوضاعه هذه الأيام، فيما تكتظ السجون بالناشطين السياسيين من «الإخوانيين» وغيرهم. وبالنسبة إلى الإعلام، تسيطر عليه القوى المعادية لـ«ثورة يناير»... والنقابات المهنية والعمالية تبدو واقعة تحت حصار أو تتعرض لمضايقات.
يشرح الأكاديمي المصري، أيضاً، أن الحياة السياسية في مصر تمرّ حالياً بحالة من الجفاف والعقم غير المسبوقة في تاريخها، بل تبدو كأنها كانت أرضاً واعدة وضربها التصحر التام فجأة. يتصرّف هذا النظام كأنه ليس مجرد امتداد طبيعي للنظام الذي كان سائداً قبل «25 يناير»، ولكنه يجنح أكثر منه ويتهم كل من يعارضه بأنه لا بد أن يكون إما خلايا نائمة تتبع «الإخوان» أو يعمل لحساب «قوى خارجية» تسعى إلى تدمير الدولة المصرية. وكما يشدد نافعة على أن «الإرهاب» يشكّل خطراً حقيقياً على الدولة والمجتمع، يبين أن النظام يحاول استخدامه كفزاعة لتبرير اشتداد قبضته الأمنية.
بالنسبة إلى عبد ربه، إذا ما أضفنا إلى ذلك الضغوط السياسية والمواجهات الشرسة مع منظمات المجتمع المصري والأحزاب، وحتى الطلاب والعمال، يمكن التأكد بالفعل من أن قوة خطاب السيسي تراجعت. ولو أنّ من الصعب التعويل على تلاشيها تماماً، لكن بعض جمهور السيسي قد بدأ بالفعل يعارضه، أو على أقل تقدير، يتململ منه.




«ما يخسره السيسي لا يذهب إلى المعارضة»

تثير المتغيرات السياسية والاقتصادية، التي تواجه مصر حالياً، سؤالاً عن إمكانية تحوّل الانتقادات الشعبية المتنامية إلى حراك في الشارع من جديد، مع الأخذ دوماً في الاعتبار صعوبة «الثقة» في ما يصل من القاهرة إلينا، عبر الصحافة أو وسائل التواصل الاجتماعي، في قياس النبض الحقيقي للشارع داخل بلد التسعين مليوناً.
يؤكد حسن نافعة أن الحديث عن التغيير لا يزال ممكناً، وهو أمر «طبيعي وحتمي»، في ظل فشل سياسات النظام الذي لم يتمكن بعد من التأسيس لنظام سياسي قادر على تحقيق شعارات «الثورة الأم»: الحرية والخبز والكرامة الإنسانية... «لكن الرغبة في التغيير شيء، والقدرة على إحداثه شيء آخر».
أما أحمد عبد ربه، فيرى أنّ من غير الممكن، على الأقل حتى الآن، تحوّل الانتقادات المتنامية تجاه السيسي إلى حراك على الأرض ضده؛ فضلاً عن الضغوط السياسية والأمنية على المعارضين، فإن القوى السياسية المعارضة لا تزال منقسمة وعاجزة عن التنسيق والضغط والمأسسة.
يضيف الأكاديمي المصري: «ما يخسره السيسي لا يذهب إلى المعارضة حالياً، لأنها غير مستعدة بعد، وهي تحتاج إلى المزيد من الوقت... الأوضاع الاقتصادية هي ما سيحسم كل شيء في المستقبل القريب».