(1) إسقاط هيبة السعودية


لعلّ أكبر مكسب حققه الجيش اليمني ولجانه الشعبية في مواجهة العدوان هو إسقاط هيبة الدولة السعودية، ليس في عيون اليمنيين بالطبع، لأنها لم تكن من الأساس موجودة، ولا في عيون العرب وبقية العالم، فالسعودية أضعف من أن تكون ذات هيبة عندهم، إذ إنهم لا يرون فيها شيئاً غير نفطها وأموالها الطائلة. الهيبة سقطت في عيون رعاياها أنفسهم من عرب نجد والحجاز، وما كان «فوق هام السحب» أصبح يُداس الآن في الجبهات.
لطالما حرصت المملكة طوال تاريخها على عدم إظهار نقاط ضعفها وتغطية عجزها، بحيث لا تُري رعاياها إلا ما تريد لهم هي أن يروه: القوة والجبروت والحزم والعنفوان. لكن هذه الحرب جاءت فهزّتها هزة عنيفة، محدثةً شرخاً خطيراً في تلك الصورة النمطية الزائفة، إذ رأينا ولا نزال نرى ـــ بعد 500 يوم من العدوان غير المسبوق والحصار الخانق الذي تفرضه على هذا الشعب الفقير، والتعتيم الإعلامي الكامل على عدوانها ــ كيف يتداعى جيشها وحرس حدودها في مراكز حدودها الجنوبية، ويفرّون من أمام المقاتل اليمني البسيط الذي لا يمكن المقارنة بين إمكاناته القتالية والترسانة العسكرية الضخمة جداً للجيش السعودي، فضلاً عن تفوقها الكاسح في المجالات الأخرى. هذه الهزيمة المادية والمعنوية أحدثت شرخاً كبيراً في الجدار الرهيب من الهيبة التي طوّقت به السعودية أذهان مواطنيها طوال تاريخها. وما دام الشرخ قد حدث، فإن التداعي الأشمل لكل البناء آتٍ لا محالة، والمسألة ليست سوى مسألة وقت. الجميع بات ينتظر حالياً النقطة التي ستفيض الكأس، فما أن تحدث أدنى كبوة، حتى ستنقضّ كل مكونات المجتمع المظلومة وشرائحه المضطهدة، وأقلياته المهمشة، منتهزةً هذه الفرصة، على هذه السلطة المستبدة. فهل سيقدّر عرب شبه الجزيرة لليمنيين هذه الخدمة الجليلة والمجانية؟

(2) فشل في إدارة المناطق المحتلة

اقتضت مصلحة السعودية أن تقدم مع حليفاتها نموذجاً مغرياً ويُحتذى به في المناطق التي تقع تحت احتلالها في جنوب اليمن وشرقه، على الأقل من باب الذكاء السياسي والبراغماتي. فهناك على الأقل سبع محافظات ونصف محافظة تحتلها دولتان من أغنى دول العالم، منذ حوالى 500 يوم من بدء عدوانها، فما هو النموذج المقدم في تلك المناطق المحتلة حتى الآن؟ لا شيء غير حالة من الفوضى والانفلات الأمني الشامل والكامل، وتردّ مخيف في الحريات وحالة إنسانية بالغة السوء في شتى نواحي الحياة. حتى الخدمات الأساسية التي عادةً ما يكون لها تأثير سريع في أذهان العامة والبسطاء، ولا تتطلب سوى قدر معقول وممكن من المال، تدنت إلى مستويات مخيفة، وأصبحت في وضع كارثي، إذ انعدم الكثير منها. فإذا لم يقدموا أي نموذج يذكر في هذه المرحلة، وهم في أمسّ الحاجة إلى إغراء الآخرين وخداعهم من أجل استنساخ التجربة في المناطق الأخرى المتمنعة عليهم، وكضرورة ملحّة لإرضاء سكان تلك المناطق الخاضعة لاحتلالهم المباشر، فمتى سيقدمونه إذاً؟

(3) استباحة المكلا برعاية إماراتية

تتدفق على ميناء مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت، بشكل دائم شحنات من الأسلحة لا تتحملها المدينة الوادعة، وتقوم مجموعة من غوغاء المدينة، «أسياد المرحلة»، بإدارة تجارة أسلحة رابحة في الوقت الذي يتاجرون فيه بالنفط والمحروقات وتعاونهم في ذلك وتمولهم شريحة معروفة من الانتهازيين وتجار الحروب والأزمات من أرباب المال، واللصوص السابقين والحاليين، و«تطبل» لهم شريحة كبيرة من صبيان الإعلام والدخلاء على المهنة، وتعيث فساداً في أرجاء المدينة، وتقلق الأمن العام بمظاهرها المسلحة. أما من يشرف على هذا الواقع، فهو الضابط الإماراتي «أبو سياف» الذي يعدّ الحاكم الفعلي للمكلا، حيث يدير كل الهياكل الهزيلة التي كانت سابقاً للرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، وهو لا يحرك ساكناً، إذ إنه مشغول بفتح معسكرات التجنيد الجديدة، وتشكيل قوى عسكرية غير متناغمة ومتعددة الولاءات والقيادات، الأمر الذي ينذر بانفجار الوضع، واشتعال الصراع بين مراكز القوى المتعددة في هذه المدينة المستباحة.

(4) الصمود يغيّر الصورة

من أبرز الانتصارات الحسية غير المدركة الآن لهذه الملحمة الوطنية الكبرى التي يخوض اليمنيون غمارها، أنها أعادت الاعتبار للإنسان اليمني عموماً، وغيّرت تلك الصورة النمطية البليدة التي طالما ترسخت عن اليمني في أنظار العالم، والتي كرستها عهود ماضية من الفساد المطلق.

(5) الهشاشة العسكرية للمملكة

في سقطة إعلامية مستهجنة تنمّ عن إفلاس حقيقي وعن مخالفة لكل الأخلاق والقوانين والأعراف والضوابط الإعلامية، بثت قناة «العربية» السعودية صوراً لجثث مطموسة الملامح تدّعي أنها لمقاتلين يمنيين وبجانبها جنود سعوديون يرقصون ويحتفلون! هذا التطوّر يوحي بشكل أكيد بحجم المأزق الكبير لجنودهم في جبهات الجنوب الذي أوصلهم إلى هذه الدرجة من الاحتفال.
لقد أثبتت هذه الحرب الظالمة بما لا يدع مجالاً للشك، أن الدولة السعودية دولةٌ هشة. فهي تبدو قوية للغاية في عروض الجنادرية ومتهالكة جداً على الحدود. أما بعد هذه المشاهد ــ الفضيحة، كيف سيقنعنا مسؤول أو إعلام سعودي بأن هؤلاء ممكن أن يقارعوا يوماً ما دولة عملاقة كإيران؟