تثير قرارات رئيس الوزراء المصري، شريف إسماعيل، المتتالية بسحب الجنسية من مواطنين فلسطينيين حصلوا على الجنسية من أمهاتهم المصريات، القلق، بين أبناء الجالية الواسعة في شماليّ سيناء. آخر تلك القرارات بحق المواطن الفلسطيني الأصل فايز أبو عكر، وقد سبقه اثنان اتُّخذ بحقهما قرار مشابه في وقت قريب.

المصادر الأمنية التي تواصلنا معها قالت إن السبب الرئيسي في ذلك هو «تقارير أمنية بشأن خطورة شخص ما على الأمن القومي المصري، نظراً إلى ارتباطه بجماعات مسلحة خارج البلاد»، ولكن من دون تحديد إن كان ذلك قد جرى عبر محاكمة أو لا. لكن المصادر نفسها قالت إن أبو عكر كمثال، حصل على الجنسية المصرية إبّان فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي عام 2012، ثم «ارتبط بجهات مسلحة خارج البلاد، وهو متورط في نقل سلاح ومتفجرات».
لكن «التخريج الإعلامي» الرسمي لم يتعدَّ سوى خبر سريع في «الجريدة الرسمية ــ الوقائع» عن قرار سحب الجنسية، ومحاولة تشبيه الأمر بأنه «إسقاط للجنسية عن عملاء لحركة حماس». والبداية الفعلية لإسقاط الجنسية المصرية عن مواطنين فلسطينيين دون تحقيق نيابي أو محاكمة كانت بحق صائل صديق الزرو، من سكان العريش، وذلك بدعوى غش جهة إدارية بإخفائه جنسية والدته الفلسطينية. وتبعه ذلك قرار آخر بإسقاط الجنسية عن هشام محمد الطيب، بتهم «الارتباط بإحدى الجهات الأجنبية (حماس) التي تعمل على تقويض النظام الاجتماعي والاقتصادي للدولة».

مبرر سحب الجنسية هو «تقارير أمنية عن ارتباط بحماس أو بغيرها»

مجموعة من المراقبين، منهم أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة حسن نافعة، شنوا هجوماً حاداً على الحكومة بسبب هذه القرارات وطريقة اتخاذها. ووصف نافعة ما يحدث بأنه «تعسفي»، ويعبِّر عن «الدولة البوليسية التي تحكم مصر حالياً». وأضاف: «رئيس الوزراء ليس من صلاحياته إسقاط الجنسية عن المواطنين، لأن ذلك بيد القضاء وحده دون غيره، الذي يعمل على تغييبه حالياً».
وكانت حكومة ما بعد حسني مبارك قد اتخذت بعض الإجراءات لتحسين الأوضاع القانونية، واتخذت في مطلع أيار 2011 القرار رقم 1231 المُعدِّل لقانون الجنسية، فصار القانون نافذاً على جميع أبناء الأمهات المصريات، بمن فيهم أولئك المولودون قبل عام 2004. وإذا ما طُبِّق هذا القرار بعدلٍ وإنصاف، فإنه سيُسفر عن تجنيس معظم الفلسطينيين الذين تزوج آباؤهم نساءً مصريات، وبذلك يمكن الالتفاف على العوائق التي فرضتها الدولة منذ عام 1978 وكانت تحول دون تمتعهم بالإقامة القانونية.
في هذا السياق، قالت مصادر مطلعة إن الداخلية المصرية رفعت مذكرة إلى مجلس الوزراء بقائمة تضم أكثر من 24 ألف فلسطيني، طالبة سحب الجنسية من ثمانية آلاف منهم حصلوا عليها في عهد مرسي.
خلال اتصالنا بمساعد وزير الداخلية لـ«مصلحة الجوازات والهجرة والجنسية»، اللواء حسين الريدي، قال إن «الداخلية شكلت لجاناً أمنية لفحص ملفات الفلسطينيين الحاصلين على الجنسية المصرية، على أن تسحب الجنسية فوراً ممن يثبت تورطهم في أعمال إرهابية».
وفي أيار 2014، صدر قرار رسمي من مجلس الوزراء بسحب الجنسية من محمود الزهار و11 من أفراد عائلته بسبب عضويته في «حماس».
في المقابل، يعلِّق الكاتب الفلسطيني يسري الكاشف، بالقول إن ما تفعله «الداخلية المصرية لا يخرج عن إطار الحرب الشرسة التي يشنّها نظام الثالث من يوليو على الفلسطينيين».
وأضاف: «تلك الحرب تستهدف تشويه صورة الفلسطينيي، والتخفيف من حدة التعاطف الشعبي مع القضية المركزية للعرب والمسلمين»، مشيراً إلى أن «هذا التوجه يتجاوز حدود الصراع بين أنصار السيسي ومرسي، ويمكن أن يكون إحدى أوراق الضغط المستخدمة ضد الفلسطينيين في إطار الصراعات وحالة الاستقطاب الإقليمية الحادة».
وأشار الكاشف إلى أن القانون المصري يعطي الدولة حق سحب الجنسية من أي مواطن، لكنه ينظم العملية ويضع لها شروطاً، من أبرزها «إجراء تحقيقات قضائية شاملة، مع كل فرد على حدة، فلا يمكن توجيه تهم إلى 24 ألف فلسطيني دون التثبت».
لكن المستشار في «أكاديمية ناصر العسكرية العليا» اللواء محمود خلف، يرى على العكس، أن «مصر دولة كبيرة تفي بتعهداتها تجاه مواطنيها أو من تجنسوا بجنسيتها، ولا يوجد في قانون العقوبات ما ينص على سحب الجنسية من أي مواطن بسبب انتمائه السياسي». واستدرك: «توجد بعض التحريات الأمنية حالياً بشأن هؤلاء الفلسطينيين المجنَّسين، للتأكد من التزامهم مقتضيات الأمن القومي المصري... إنّ من يثبت تورطه في جرائم تمسّ الأمن القومي، يجوز لوزارة الداخلية رفع الأمر إلى مجلس الوزراء لاتخاذ قرار سحب الجنسية منه».
وتابع خلف: «طبقاً لأحكام قانون الجنسية، يمكن الدولة أن تسقط الجنسية عن أي شخص أجنبي دون إبداء الأسباب، خاصة إذا كان غير مرغوب فيه، ويتعين ترحيله».