تطور متسارع أصاب الأحداث في مدينة نابلس، شمالي الضفة المحتلة، في أعقاب الأحداث الأمنية الأخيرة، بعد انطلاق حملة استثنائية بدأتها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية داخل البلدة القديمة، تزامناً مع مقتل اثنين من عناصرها قبل أيام. لم يختفِ وجه الانتقام عن هذه الحملة، خاصة أسلوب السحل الذي مارسه عناصر الأمن بأحد العاملين في «كتائب شهداء الأقصى» (فتح)، أحمد عز حلاوة، فجر أمس، برغم تبرؤ رئيس الحكومة، رامي الحمدالله، من هذا التصرف الذي وصفه بأنه «فردي».

أصل القصة، كما تفيد مصادر محلية، يعود إلى مشكلة عائلية وقعت قبل أشهر بين عائلتين بارزتين في المدينة، كلتاهما محسوبة على حركة «فتح»، واللافت أن أصل المشكلة «خلاف على مكان إحدى البسطات في السوق)، لكنه استجلب تاريخاً من الخلافات داخل «فتح»، المقبلة على انتخابات المجالس البلدية.
فقبل شهرين من اليوم، اندلع شجار مسلح بين عائلتي حلاوة وحمامة على الخلفية المذكورة، أدى إلى وفاة شخص. تداعت الأجهزة الأمنية ومؤسسات المدينة لوأد المشكلة، واستطاعت أن تحقق هدنة بين الطرفين لشهر. لكن سرعان ما تفجرت القضية مرة أخرى بسبب عودة محافظ المدينة، اللواء أكرم الرجوب، إلى منصبه بعدما عزله رئيس السلطة لمدة قصيرة.
آنذاك، تعددت الروايات حول دوافع محمود عباس إلى إقالة الرجوب، رغم أن الأخير يكنّ عداءً شديداً لخصم عباس (محمد دحلان). لكن الأكثر دقة ما ذكرته مصادر خاصة عن أن إقالة الرجوب كانت بسبب «شكوى تقدمت بها وزيرة السياحة حول إطلاق نار استهدف زيارتها مع وفد أجنبي لأزقة البلدة القديمة، كان مصدره عائلة حلاوة».

أحرق عناصر السلطة محالّ تجارية واستباحوا المنازل المقتحمة

لذلك، بعد عودة الرجوب إلى منصبه (بفعل وساطات المقربين من عباس)، كانت السلطة أمام استحقاق الدفاع عن هيبتها المتآكلة بفعل تنامي الصراعات الداخلية بين قيادات السلطة وحركة «فتح». وبفعل الأحداث الأمنية المتعاقبة، التي تركزت في جنين ونابلس ورام الله وراح ضحيتها عشرات القتلى والإصابات، بدأت حملة أمنية مكثفة لجمع السلاح، فتوجهت قوة عصر الخميس الماضي إلى حارة العقبة، حيث تقطن عائلة حلاوة، وهناك حاولت القبض على أحمد عز حلاوة، وهو من قيادات «كتائب شهداء الأقصى»، كما كان يحمل رتبة عقيد في السلطة.
وقعت القوة في كمين محكم، فقُتل اثنان من عناصر السلطة، التي جنّت بسبب الحادث، وبدأ عناصرها بارتكاب أفعال انتقامية من العائلة والمدينة عامة، إلى حد أنهم أحرقوا محالّ تجارية، واستباحوا المنازل دون أدنى اعتبار للأصول الاجتماعية.
لم يمضِ وقت طويل على مقتل العنصرين، حتى قتلت السلطة اثنين ممن تشتبه فيهم بالمشاركة في حادثة القتل، وكانت روايتها أنهما قُتلا أثناء اشتباك مسلح، في حين أن روايات شهود العيان تؤكد إعدامهما بدم بارد. ولم يتوقف الأمر هنا، بل استجلب غضباً شعبياً فجر أمس، حينما اعترف محافظ نابلس علناً بإعدام «أبو العز حلاوة» ضرباً حتى الموت على أيدي مئات العناصر في سجن الجنيد.
أيا تكن التبعات الأمنية والعائلية اللاحقة، فإن «فتح» على مفترق خطير، يتعلق أولاً بوحدة الحركة التي تتهيأ لخوض الانتخابات البلدية أمام خصم قوي هو «حماس»، لكنها تبدو عاجزة عن ضبط الأمور في ساحتها الأكبر، أي الضفة الخاضعة تحت سيطرتها، على عكس «حماس»، التي تمسك زمام الأمور في غزة دون أدنى تراخٍ، ومن دون أن يتطور أي خلاف داخلها ويخرج إلى العلن.
ثانياً، في الوقت الذي نجحت فيه «حماس» بإنهاء ظاهرة المربعات الأمنية وسلاح العائلات، تقف السلطة ومن خلفها «فتح»، عاجزة أمام تحقيق ذلك. فوق ذلك، يعطي تزامن حملات السلطة الأمنية، مع حملات للاحتلال لمصادرة السلاح وإغلاق مخارط الحدادة في الخليل وبيت لحم، صورة عن «فتح» أسوأ من صورة التنسيق الأمني، وهو ما يفسّر غياب التدخل الإسرائيلي في نابلس، الخاضعة لسيطرة السلطة أمنياً وإدارياً، وهي سيطرة لا تمنع الإسرائيلي من التدخل إذا ما قرر ذلك.
ثمة مشكلة أخرى هي طريقة تعامل السلطة مع تجار الأسلحة المحسوب جلهم على «فتح» والسلطة في آن واحد، ومع حملة السلاح الذين لكل منهم حساباته، بدءاً من الراغبين في مقاومة إسرائيل أو الفتحاويين الذين يستعدون لمرحلة ما بعد عباس. وفيما يلقى المقاومون أسوأ صور التعامل، يخرج تجار السلاح من السجن بطرق ملتوية بعيداً عن القضاء.
وحلاوة، على وجه التحديد، يبدو أنه كان مطَّلعاً على تفاصيل كثيرة متعلقة بقيادات في المؤسسة الأمنية، لكن إعدامه بهذه الطريقة يعني أن السلطة وصلت إلى مرحلة يغيب فيها القانون واعتبارات المجتمع والأخلاق وكونها حكماً ذاتياً تحت الاحتلال، عن قواعد عملها.