ينشغل الوسط السياسي في بغداد، منذ فترة، بملف عمره سنوات يتمثل بما يسمى «مشروع قانون العفو العام»، الذي يمتد الجدل بشأن إقراره إلى مخاوف بشأن قضايا عدة، أهمها الأمن والإرهاب.

ومن المعروف أن المشروع الذي أجّله مجلس النواب، ثلاث مرات، وأدرجه أخيراً على جدول جلسته التي ستعقد اليوم، كانت القوى السياسية التي تنضوي حالياً في «اتحاد القوى» قد عكفت على التفاوض بشأنه وإقراره على مدى دورتين سابقتين.
ويتّصف هذا المشروع بجدل سياسي واسع طالما طغى على النقاشات التي تُخاض تحت قبة البرلمان، ومنها ما يرتبط بالأمن في العراق والجهات التي تقف وراء تفشي الإرهاب بعد عام 2003، ليمتد النقاش إلى أعضاء النظام السابق المُتهمين بتنفيذ جرائم إبادة. وهنا لا يمكن إنكار طبيعة التعاطي الطائفي مع مشروع القانون، لأن القوى التي كانت تدفع إلى إقراره تنطلق من اعتقاد بأن الاعتقالات في إطار مكافحة الإرهاب جرت بدافع «التصفيات الطائفية»، فيما ترفض قوى سياسية أخرى ــ وغالبيتها الآن في «التحالف الوطني» ــ إمرار قانون قد يسمح لمرتكبي جرائم إرهابية بالإفلات من العقاب.
وعلى الرغم من التقدم الواضح في الاتفاق السياسي بين «التحالف الوطني» و«اتحاد القوى»، إلا أن خلافات تتعلق بالأحكام الصادرة سابقاً بقضايا إرهابية، تقف وراء فشل البرلمان في إقرار القانون.

تحذيرات من الإفراج عن ضالعين بقضايا فساد مالي

وفي آخر تطوّرات هذا الملف، أكد النائب عن «التحالف الوطني» محمود الحسن، الذي يرأس اللجنة القانونية في البرلمان، أن «لجنته جهّزت المسوَّدة النهائية للقانون وحسمت كل القضايا الخلافية»، من دون أن يوضح طبيعة الاتفاق على حلّ الخلاف بشأن المادة الثامنة المتعلّقة بالمحاكمات. وأوضح الحسن لـ«الأخبار» أن «هناك من يحاول تفسير مواد القانون المنتظر بطريقة خاطئة، ويتوهّم شموله مرتكبي جرائم إرهابية، لكننا نؤكد أن المسودة الحالية تستثني جرائم النظام السابق والجرائم الإرهابية وجرائم الفساد المالي».
ومع أن رئيس الوزراء حيدر العبادي، أبدى تأييده للقانون، لكن إقراره في جلسة اليوم متوقف على قبول «اتحاد القوى» بمقترح يخص المادة الثامنة، وينص على إعادة تدقيق التحقيقات السابقة والمحاكمات التي أخذت الصفة القطعية، بدلاً من إعادتها كما يطالب نواب «الاتحاد». وفي هذا السياق، قال عضو اللجنة القانونية سليم شوقي إنه «جرى الاتفاق على تدقيق إجراءات التحقيق والمحاكمة بدل إعادة المحاكمة»، مضيفاً أنه «جرى إعطاء القضاء سلطة تقديرية بشأن إعادة المحاكمة»، ومرجحاً إمرار القانون خلال جلسة اليوم.
ويرفض «التحالف الوطني» إعادة المحاكمات السابقة لأنها بحسب أعضائه تتيح إفلات مشاركين بجرائم إرهابية من العقاب. وما يعزّز هذا الاعتقاد هو تمسّك أطراف تحالف «اتحاد القوى» بطلب إعادة المحاكمات، على اعتبار أنه قد يعوّض طلباً سابقاً لهذه الأطراف بشمول المحكومين وفق المادة 4 من قانون مكافحة الإرهاب بقانون العفو.
وقال النائب عن «اتحاد القوى» أحمد السلماني إن مطالب تحالفه بشمول المتهمين بمادة «4 إرهاب»، سببه أن غالبيّتهم لم يُحقَّق معهم إلى الآن. وأوضح لـ«الأخبار» أن إعادة التحقيق مع المشمولين بقضايا الإرهاب سيتيح الإفراج عن الكثير منهم، لأنهم اعتقلوا من دون توافر أدلة إثبات.
علاوة على ذلك، تنطلق مخاوف أخرى من إمكانية وجود أي ثغرة في القانون قد تؤدي إلى منح الحرية لمرتكبي جرائم إرهابية، فيما سجّل العراق خسائر بشرية كبيرة على مدى 13 عاماً، بسبب جرائم إرهابية تدعمها دول، ونُفذ الكثير منها بواسطة إرهابيين أجانب. وفي هذا الإطار، تدخل تقارير سابقة كانت قد أشارت إلى مساعٍ للإفراج عن معتقلين أجانب، خصوصاً السعوديين الذين يشكلون النسبة الأكبر بين المحكومين ضمن قوانين مكافحة الإرهاب. لكن المسودة الحالية استثنت السجناء غير العراقيين، وربطت أمرهم بالقوانين الدولية والاتفاقات الثنائية.
من جهته، عزا النائب عن «ائتلاف دولة القانون» خالد الأسدي التأجيلات وعدم حسم القانون، إلى السعي للحؤول دون ورود أي كلمة فيه قد تستغل للإفراج عن إرهابيين. وقال في تصريح صحافي إن «التأجيلات التي أدت إلى عدم عرض القانون على مجلس النواب لإقراره، هي نتيجة حتمية لإنضاج القانون بحيث لا يدع أي فرصة للإفراج عن أي إرهابي».
ولكن على جانب آخر، تبرز تحذيرات من أن يؤدي قانون العفو العام إلى الإفراج عن ضالعين بقضايا فساد مالي وإداري، وينبّه مختصّون من أن الانشغال بقضايا الإرهاب وتفاصيلها قد يؤدي إلى إهمال قضايا لا تقل أهمية، وفي مقدمتها الفساد المالي.
وعلى هذا الصعيد، أشار الخبير القانوني مصطفى نعيم، إلى أن «الاطلاع على قضايا الفساد الموجودة لدى القضاء العراقي، كافٍ لإدراك خطورة هذا الملف»، مشيراً إلى أن «الكثير من ملفات الفساد كانت وراء عدم النجاح في مكافحة الإرهاب». ودعا نعيم إلى أن «يعامل الفساد المالي بالطريقة ذاتها التي تعامل من خلالها قضايا الإرهاب، لأن الاثنين يضربان بالقوة ذاتها ويؤثران ببناء الدولة».
وكانت هيئة النزاهة قد دعت، الأحد الماضي، مجلس النواب إلى تأجيل التصويت على قانون العفو العام، لبضعة أيام، بغية دراسة ما ورد في مضامينه، ولا سيّما الجرائم المتعلقة بـ«الفساد»، فيما أشارت إلى إمكانية وقوع الضرر بالمال العام في حال اعتماد مسودته الحالية.