الغزو التركي لمدينة جرابلس السورية، وردّ الفعل الأميركي المبارك له، كشفا أكثر فساد مقولة «التموضع» التركي الجديد في الساحة السورية. «معركة» جرابلس محطة إضافية أكدت أنّ أنقرة، في نهاية المطاف، مهما كانت مصلحتها الابتدائية حاضرة، ستتكيّف وتسقف أفعالها، بما لا يتعارض مع الإرادة الأميركية.

ما حدث، حتى الآن، هو استجابة أميركية للضغط التركي، الذي جاء في معظمه صراخاً مزعجاً ومواقف بلا أفعال، هدف إلى دفع واشنطن للتخفيف من أضرار اعتمادها على الورقة الكردية لتحقيق استراتيجيتها في سوريا. واستجابة واشنطن، من شأنها أن تحقّق مطلبين أميركيين، هما حاجة أميركية للمراحل المقبلة المنوي تفعيلها، من دون إزعاج الأتباع: تخفيف منسوب القلق والخشية لدى الأتراك، وبالتالي التخفيف من إزعاجهم، وأيضاً إفهام الكرد ضرورة تقليص آمالهم وطموحاتهم، والاكتفاء بتأدية دورهم الوظيفي وما ينجم عنه من فوائد، من دون أن يتمدد الطموح، أقله في المدى المنظور، خارج الهوامش المسموح بها أميركياً.

معركة جرابلس
تفصيل في معركة أكبر تقودها واشنطن

معركة جرابلس، على أهميتها ودلالاتها، تفصيل في معركة أكبر، تقودها واشنطن، وقد لا يستقيم فهمها وإدراكها، من دون معاينتها من أعلى. كانت الحرب في سوريا، وما زالت، وأعقبتها الحرب في العراق وما زالت، بل وأيضاً في ساحات أخرى في المنطقة، حرباً ضمن حروب أميركية تهدف الى اجتثاث أعدائها وكسرهم. نعم، تداخلت الأهداف الأميركية وتقاطعت، مع جملة عوامل وأسباب لاتباعها في المنطقة، لكنها كلها في المحصلة النهائية، تحوّلت وحُوِّلت الى وسائل قتالية في أيدي الإدارة الأميركية، لتحقيق أهدافها هي: كسر الأعداء في المنطقة.
خيضت الحرب ضد سوريا ضمن هذا الإطار وهذا الهدف. انتزاع هوية الدولة السورية وسلخها كاملة بمؤسساتها عن محورها، وضمّها للمحور الأميركي، ومن ثم استخدامها كوسيلة قتالية، لاستكمال الحرب على المحور المعادي... إلا أنّ ما خططت له واشنطن وأقدمت عليه، بالأصالة أو بالوكالة أو بهما معاً، طوال السنوات الخمس الماضية، فشل في تحقيق الأهداف.
لكن لا استسلام أميركياً، بل تكيّف مع الفشل ومع مسارات الفشل، بتكييف الأهداف تبعاً للنتائج المحققة أو غير المحققة، والواقع المتشكل في أعقابها. فإن لم يعد بالإمكان، ضمن الظروف القائمة والمنظورة، انتزاع سوريا الكاملة، فلا بأس بمحاولة انتزاع ما يتيّسر منها. سلخ جزء من جغرافيتها، على أن يخدم الحد من قدرة المحور المعادي على تثمير إفشال الخيارات الأميركية، بات هو المطلوب في هذه المرحلة.
منذ أشهر، كيّفت أميركا خياراتها ضمن الممكن، وتوجهت إلى إزاحة «داعش» عن شرق سوريا وعن غرب العراق كما يبدو ويتضح، واعتماد خيار الحلول المباشرة أو بالوكالة مكان هذا التنظيم في هذه المنطقة: حضور أميركي عسكري مباشر؛ استخدام الورقة الكردية شمالاً؛ وأيضاً «جيش سوريا الجديد» وسطاً، مع عمل حثيث يجري الإعداد له للساحة الجنوبية، وهو ما كشف إشارات عنه أخيراً، وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر بإعلانه أنّ «التحالف الدولي» يسعى إلى فتح جبهة جديدة ضد «داعش» من جنوب سوريا، بالتزامن مع «هجوم الجبهة الشمالية».
محاولة أميركا للسيطرة على جغرافيا الحدود بين العراق وسوريا، بغضّ النظر عن إمكانات النجاح فيه، تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، وفي المقدمة هدف أول: منع تشكّل وحدة جغرافية فعلية للمحور المعادي، إلى جانب أهداف ترتبط فرعياً بساحات المواجهة. وبما خص الساحة السورية، تأمل أميركا أن تحقق، في حال نجاحها الميداني، الآتي:
محاولة الحدّ من قدرة المحور المقابل بمكوناته (سوريا وإيران وحزب الله...) والجهة التي تتقاطع معه في المصالح (روسيا)، على تثمير الفشل أو مسار الفشل، للاستراتيجية الأميركية السابقة؛ من شأنه أن يوازن الحضور الروسي المباشر في الساحة السورية الذي لا يمكن تجاهله بعد تأكد صعوبة القدرة على استيعابه، ومن ثم نفاد خيارات الحد من تداعياته؛ الحدّ من تداعيات الفشل في مواجهة النظام السوري وحلفائه بالأدوات الوكيلة، والإبقاء على المنازلة قائمة في مواجهتهم؛ التأسيس لاحقاً على ما يمكن فعله، بناء على واقع جديد يتشكّل تجاه الساحة السورية، مع استئناف الضغط لتحقيق الأهداف الابتدائية، إن وجدت خيارات بديلة جديدة، يمكن استخدامها...
ضمن هذه الأهداف، المرتبطة بالمواجهة الكبرى مع المحور المعادي، وكما تراها واشنطن وتسعى إلى تحقيقها، يتقلص مستوى وحجم التهديد الذي تراه تركيا من الكرد، وخاصة أنها هي (أميركا) التي تمسك بشريان حياة الطموحات الكردية والقدرة على الحد منها، بمعنى أن خوف تركيا متأتّ من الفعل الأميركي، وطمأنتها متأتية أيضاً منها.
من ناحية الولايات المتحدة، الكرد ورقة تخدم استراتيجيتها الحالية باتجاهين: تحقيق الفصل بين مكونات المحور المعادي جغرافياً؛ وأيضاً الضغط باتجاه تركيا كي لا تذهب بعيداً في حال قررت العمل برعونة وسوء تقدير. ولا بأس، من ناحية أميركا، بجرعة إقلاق للأتراك، وإفهامهم بأن «الانزعاج» من الاستراتيجيات الأميركية التي تشمل استخدام ورقة الكرد وتعزيز موقعهم في سوريا، لا يعني أن بإمكانهم التوجه حتى لمجرد التفكير بـ«الانزياح» باتجاه المحور الآخر، كما لا يعني الاندفاع نحو الكف عن لعب دور الشريان الحيوي للجماعات المسلحة، في المقلب الآخر من الساحة السورية، حيث أعداء واشنطن وخصومها... إغلاق الحدود التركية يعني فشلاً كاملاً يركب على الفشل الأول، ومن شأنه أن يجرّ تداعيات سلبية جداً للموقف الأميركي. ورقة الجماعات المسلحة مطلوبة ولا يمكن لواشنطن السماح بالإضرار بها، إذ إنّها رغم فشلها ومسار فشلها، تعد أهم ورقة في مواجهة المحور الآخر في سوريا، وفي حد أدنى من شأنها أن تبقي المواجهة قائمة وتستنزف الطرف الآخر.
على ذلك، يمكن فهم ما حصل في جرابلس على أنه إرضاء للأتراك، بعد تأديبهم وتحذيرهم من الذهاب بعيداً، بما يتجاوز التصريحات للمقلب الآخر، رغم أن أنقرة ما كانت لتقدم عليه. مع ذلك يلزم التشديد في المقابل، إن التدخل التركي المباشر ما كان ليحصل إن تعارض مع المصالح والمخططات الأميركية لسوريا. وفي وجه آخر، يعد هذا التدخل رغم تعارضه مع الكرد، استكمالاً للدور الوظيفي للورقة الكردية الميدانية في الضغط على المحور الآخر، بما لا يمكن للكرد تحقيقه، في المواجهة الكبرى بين أميركا وأعدائها، في الساحة السورية.
أما الخاسر من التطور الأخير، فهُم الكرد. وهي خسارة بقدر، من سلة الأرباح المحققة، ومن دون أن تنهي طموحهم الأكبر. نعم جرعة القوة الزائدة دفعتهم الى التحرك بما يفوق قدراتهم ويتجاوز الإمكانات المتاحة أمامهم أميركياً في الظرف الحالي، فكان رد الفعل التركي برضى أميركي، للحد من هذه الطموحات.
مع ذلك، الدور الوظيفي الذين يضطلع به الكرد بما يخدم الأميركيين، يؤمن لهم بحد أدنى، شبه كيان في شرق الفرات مع الأمل بأن يحمل المستقبل ما قد يدفع نحو المزيد لاحقاً. وهذا الحد الأدنى، انصاعت له أنقرة، وهي تعلن أنّ مقاربتها وتدخلها يهدفان إلى الحد من طموح الكرد باتجاه غرب الفرات، وكأنها تقرّ طواعية أو بالإكراه بأن شرق الفرات بات مرسوماً للكرد، مع التشديد على منع تمدده غرباً.